ثقافة وفنون

“سيرة حمار” رواية الإنسان العاقل في ثوب حمار

رواية “سيرة حمار” رواية رمزية، تستعمل الأسطورة في سير الأحداث وتركيب الشخصيات والزمكان، تعتبر من أبرز الأعمال التي ستظل خالدة في التاريخ الأدبي المغربي؛ لما تحمله من رمزية ودلالة خفية، لا يتم التوصل لها إلا بعدما تجتاز ظل الأسطر وتنزاح إلى ما وراء الستار، تملأ البياضات الكثيرة التي تركها الكاتب في حديثه عن أمور كثيرة، وإن لم تكن ملماً بأشياء كثيرة حول شخصية البطل الإشكالي والتاريخ لن تستطيع فهما، فتعتقد إنها مجرد سيرة وحسب.

إنها بعبارة أخرى سيرة ذاتية تناقش مواضيع الهوية والتاريخ، الجنس والفكر، على لسان السارد الذي اختار أن يكون حماراً، هذه السيرة تسرح بنا ردحًا من الزمن وتغرب شمسها لتطل على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ حضارتنا المغربية، فتكشف لنا جوانب عديدة تتعلق بموضوع الهوية ورمزيتها التاريخية، الجنس الضامن لاستمرار البشرية، ثم التفكير أو الفكر الذي قد يقود الإنسان إلى الهاوية.

الكاتب استطاع بلغته العربية الفصحى الرسينة أن يلملم شتات الهوية والتاريخ بأسلوب سردي جميل جداً، وأن يجعل من الجنس محرك الأحداث عبر فصول روايته، وأن يندم على التفكير الذي ابتلي به، وكل ذلك صبه في قالب سردي مظبوط المعالم بفصول تاريخه وأحداثه التي مرت بها موريتانيا الطنجية آنذاك، وما كان يحيط بها من قبائل الأمازيغ، موظفاً زخمه الأسطوري ورصيده المعرفي الكبير.

تدور أحداث الرواية التي يقودها البطل الإشكالي”الحمار” والمقصود هنا الشاب “أذربال” حول شاب نال حظاً وافراً من المعرفة، متنقلاً بين العديد من عواصم العالم، هذا الشاب الأمازيغي الذي ذهب في رحلة علمية إلى دول أوروبا وغيرها، يراد به أن يكون ذا شأن كبير في بلده موريتانيا الطنجية، وكان أهل المغرب من الأمازيغ قبل الإسلام يسافرون كثيراً إلى الضفة الأوروبية وبلاد تونس طلبا للعلم.

تعلم هذا الفتى من أرقى المعاهد بقرطاج بتونس وروما بإيطاليا، عاش تجارب عدة هناك، تعرف إلى جنسيات أخرى من مختلف بقاع العالم، عاد لموطنه من أجل الحصول على العمل الذي كان يريده، هذه المكانة العلمية جعلت منه أيقونة بين أقرانه وفي مجتمعه يفتخر به القاصي قبل الداني، جالس علية القوم وكبار الشخصيات، لكنه تحول فجأة إلى حمار، حمار من نوع متميز، بعدما وقع في حب “بثيوزيس” التي كان يجالسها كثيرًا حتى حصل بينهما حب وعلاقة جنسية، ولم تكن الوحيدة التي أحبته، فخادمتها “حاتبوث” الأمازيغية أيضاً أحبته وأخفت ذلك خوفًا من سيدتها، ليبدأ صراع خفي بين الطرفين حول بطل الرواية.

الخادمة وهي من الشخصيات التي حركت مجريات الأحداث من وراء الستار إلى جانب البطل الذي ظل ظاهراً ومتحكماً في دواليب السرد، ستنجح في تحويل البطل إلى حمار بعدما عجزت عن تحويله إلى حبيب في الواقع، ستمده بشراب حوله إلى حمار احتفظ بعقله وقدرته على التفكير، لتبدأ رحلة السفر في الذات، ابتداء من أزمة الهوية ثم إلى الإشكال الوجودي إلى استعادة انسانيته، وتتحول هي أيضًا إلى “أتان”، وهي زوج الحمار وأنثاه، لتبدأ الرواية في البوح بتفاصيلها الضيقة والمتشابكة.

مرة نركب ظهر البطل وأحيانا ظهر البطلة، وفي غالب الأحيان نستريح رفقتهما معًا ونستمتع بتفاصيل السرد والقصص التاريخية العامر بالحكم، فمنذ البداية يعلن البطل عن جزء من تاريخ المغرب الأمازيغي ويرجع إلى ما قبل عهد الرومان، يتوالى في إمدادنا بزاد الأجداد وتاريخهم، ثقافتهم وهويتهم، التقاليد التي كانت سائدة، وطقوس العبادة عندهم، موظفًا نوعًا من الاستعارة في ذكر الأماكن والأسماء والأشخاص وحتى الحقبة التاريخية التي كانت مستمدة من القاموس الروماني والأمازيغي.

الشاب”أذربال” هو الهوية الأمازيغية الحاملة لمشعل الهوية والفكر، هي المستقبل الذي ينظر من خلاله الكاتب إلى أحداث روايته، وظفه كبطل إشكالي وأعطاه مجموعة من الأوصاف التي امتحنه فيها، فاستطاع أن ينجح ويكون ذلك البطل المطيع الحامل لهموم أمة بتاريخها وعراقتها، إنه من خيرة شباب مدينة “أليلي”، تدرج بين أسلاك العلم والمعرفة في مختلف بقاع العالم، لكنه سيقرر العودة إلى موطنه الأصلي بعد إنهاء تحصيله والعودة لمدينته والعمل في السياسة أو المحاماة، حيث سيجد صعوبة في تحديد المهمة التي سيقوم بها، فهو لا يريد أن يكون سياسياً يظلم الناس ويعتدي عليهم وعلى حقوقهم، أو تستهويه السلطة وسيتلذها ويبطش بالقيم التي تعلمها أثناء رحلته العلمية، وأيضاً لا يميل إلى المحاماة لكنها مهنة نصرة الظالم على المظلوم وتزوير للحقيقة أحياناً.

البطل سيرتدي جلباب المعرفة والحكمة مما تعلمه في بلاد روما، وستكون له جلسات و سهرات، ستعرفه على شخصيات “آليلي” المرموقة، سيتعرف على زوجة أحد حكام المدينة “ثيوزيس” ويدخل عالمها من أوسع أبوابه، خاصة وأنها كانت تقاسمه نفس ما كان يحب من جلسات أدب وفلسفة إغريقية وغير ذلك، هذه الشخصية التي استكانت له وأحبته، وأرادت أن يكون لها لوحدها وستقلب حياته رأسًا على عقب.

ففي إحدى الأمسيات من ليالي السهر التي كان يقيمها معها في بيتها، تمكنت أخيرًا من غوايته وأسقطت بذلك أول وشاح البطل المثالي الحامل للقيم والأخلاق، أغوته “ثيوزيس” ليقع في المحظور، يتعلق بها أشد تعلق تولد عنه حب قوي، دفعهما إلى التفكير بالهروب من المدينة، مارسا الجنس وازداد التعلق ببعضهما البعض، طلبت منه الهرب إلى بلاد الأمازيغ حيث الحرية وممارسة الحب بعيدًا عن السلطة والقصر، إلى مكان لا تطاله سلطة زوجها وحكم الرومان وقد أعدت لذلك العدة بمساعدة خادمتها “حاثبوت”.

البطل الذي أظهر نوعًا من الخلاص من قيود الرومان، بادر إلى قبول الفكرة التي أقنعته بها خادمة السيدة، ضرورة شرب محلول يحولهما إلى طائرين حتى يصلا إلى مبتغاهما، ويطيرا بعيدًا إلى بلاد بعيدة ليمارسا الحب، لم يفكر البطل في الموضوع وهو الحامل دوماً لفكر وتطلعات شعبه، لقد عجز أن يفكر ويستخدم عقله أمام الحب الذي أعماه وحوله إلى حمار لا يستطيع إعمال العقل، سيطرت عليه أفكار الخادمة وحبه الأعمى للسيدة، التي زينت له الفكرة حين اقترحت عليه الاستعانة بشراب مضاد يعيدهما طبيعتهما الإنسانية الأولى التي كانا عليها من قبل، لكن ما حدث لم يكن في الحسبان بعدما شرب الشاب أولًا، فتحول بذلك البطل الإشكالي إلى حمار كامل الأوصاف، ما أثار فزع السيدة وخادمتها اللتين تركتاه لوحده يواجه مصيره واختفتا عن الأنظار في غفلة من الجميع.

البطل الإشكالي ذلك الشاب أذربال الذي تحول إلى حمار، سيكتشف عالمًا آخر بعيدًا عن عالم الإنسان، أو لنقل سيراقب عالم الإنسان انطلاقاً من عالم الحيوانات، سيتعرض هذا الحمار لأبشع صور الاستبداد والاستعباد وأصناف المرارة والحرمان اللذين كان في غنى عنهما لو لم يفكر في الطيران والرحيل عن “أليلي”، فالتفكير في الطيران أحياناً يسقط الإنسان في فوهة بركان.

سيتم بيعه في سوق النخاسة بعدما تم القبض عليه داخل القصر، دخل إنساناً وخرج حماراً، ثم يتم وإيداعه مربض الحيوانات التابع للحكومة، وإشاعة نبأ موته بين الناس، بعدما وجدوا قميصه مدرجًا بالدماء، صدق الجميع موته وتم تأبينه في جنازة وإعلان الحزن عليه، ثم عادت الحياة إلى طبيعتها كما كانت في المدينة، إلا الأم التي ظلت مؤمنة بحياته وعودته ورفضت كل مراسيم الدفن والتأبين.

لقد شكل هذا الموت -موت البطل الإشكالي- صورة من الصور التي راقبها عن كتب وهو حمار، رفضها بنهيقه المتواصل، لكن لا أحد يسمع أو يفهم نهيق الحمير، سمع ما دار في الخفاء بين مسؤولي المدينة حين تم الترويج لقصة موته وخبر وجود عصابة اختطفت المرأتين، إنه يعلم الحقيقة ولكنه لا يستطيع البوح بها لأنه مجرد حمار سينتقل من حياة إلى أخرى لم تخطر له على بال، بعد بيعه لتاجر جشع يحمل عليه الأثقال، وتبدأ محنة جديدة أكبر من ذي قبل، لكن التمرد طبعه فقد تمرد على صاحبه وهرب إلى إحدى الغابات المجاورة للمدينة، بعدما نال منه التعب والعطش والجوع، سيكتشف عالمًا آخر بعيداً عن الذي عاشه في مدينته الرومانية.

سيكتشف البطل هذه المرة عالم الأمازيغ، ويطالعنا عن حياتهم اليومية وثقافتهم وكل ما يتعلق بهم، حيث ستتخذه قبيلة تحترم الحمير وتقدسهم، هو معبودها الوحيد وسيعيش بينهم يستخدمونهم في طقوسهم الدينية، حصل على كل مريد وتمكن من لغتهم وفهم حياتهم، لقد عاش في النعيم والرغد لكنه مسلوب الحرية، مسير وفق إرادتهم ودون أن يكون له قرار، الأمر الذي كان يغضبه كثيرًا لكنه ظل صامتًا، فالصمت أحيانا يضمن الاستمرارية والعيش الكريم، وخلال أحد المواسم الدينية سيجد نفسه وسط قبيلة أخرى تكره الحمير ولا تطيق أي شيء يأتي منها وتعبد الخيل، ليكون موعده مرة أخرى مع الهرب بالرغم من العلاقة الحميمية التي جمعته بالفرس التي كانوا يعبدونها أهل تلك القرية.

الحمار الحالم بالعودة إلى إنسانيته القديمة وممارسة حياته كما السابق، لم يستقر له رأي بمكان معين، خالط الناس وعرف الكثير من الأشياء التي مرت عليه ومر بها، فظل يتنقل باحثًا عن أناه وكينونته إلى أن وصل إلى كهف شيخ حكيم ورث الحكمة وتشربها، ظل يراقب المدينة وحركتها من كهفه ولم يقرب ضجيجها ولم يخالط أناسها، هذا الشيخ رسم للبطل صورة إيجابية عن تعامل البشر مع الحيوان، أنسته في المعاملات التي تلقاها من قبل، تعلم البطل الكثير من الحكم وكان له موعد يلتقي فيه مع الأتان التي حبلت منه عند الوادي، اعتقل الشيخ بتهمة سرقة الحمار ولم يعرف مصيره ولا طريقة الحكم وعليه أو مدتها، لكنه ظل الشخصية التي أثرت في نفسية البطل الإشكالي بشكل كبير ورق له قلبه؛ لما لقيه منه من حسن الضيافة والحكمة.

بعدما كانت الحياة تسير في الاتجاه الصحيح ووجد البطل ملاذاً يسكن إليه، سرعان ما ولت الأيام الجميلة ظهرها له وعاودته حياة العذاب التي كان عليها من قبل، لقد عاد إلى مالكه الأول، المالك الجشع الذي فطن إلى تمرد الحمار وقرر التخلص منه وذلك عن طريق بيعه، فكان يمدحه ويزيد في مدحه حتى باعه إلى صاحب سيرك متنقل، عمل على تدريب الحيوانات على الرقص والتمثيل أمام الجمهور، هذا الأخير الذي سيمنح للحمار الظهور أمام جماهير السرك برقصه وحركات أقدامه.

صاحب السرك الذي كان محباً للمال بشراهة وبعدما قل رواده ومشاهديه وكسدت تجارته التي تعود الناس على مشاهدتها، والتي لم تعد تثير الناس أو تبهرهم، سيجبر الحمار المسكين على خوض نزال مصيري أمام الأسد، بغية الوصول إلى الشهرة وكسب المزيد من الجماهير والمال، فشل صاحب السرك وانتصر الحمار و أضحى حرًا ليقرر بعد ذلك الهرب مرة أخرى من أجل البحث عن طريقة ما تعيد إليه آدميته، والبحث عن ذاته الضائعة أمام رغبة الآخرين في استغلاله.

لقد تعب البطل الإشكالي من الأدوار الكثيرة التي تقلدها، كل حسب رغبة كل شخص وهواه، هرب من كل شيء يبحث عن إنسانيته وكينونته الضائعة فهو لم يولد حماراً ولا يريد العيش في هذا العالم بفكر إنساني، هذه الإنسانية التي ستعود إليه مجدداً ويعانق الحياة الإنسانية ويلتقي أمه من جديد في مدينة “أليلي”، لقد اشتاق إلى مدينته بحلوها ومرها، عاد إلى كهف الشيخ حيث توجد عين دافئة ويقرر الاستحمام فيها من أجل التخلص من الأوساخ وكل ما علق به من خبث، للتطهر من قذارته الجسدية والنفسية، ليكتشف بشكل مفاجئ أنه استعاد إنسانيته، وتحولت قوائمه إلى يدين ورجلين، ويخرج من العين إنسانا كما كان في بدايته، وكذلك فعلت الأتان التي كان يلتقي بها عند النهر، وقد ولدت منه طفلاً كامل الإنسانية.

استحمت في العين وعادت أيضاً إلى إنسانيتها، إنها الخادمة حاتبوث الأمازيغية التي أحبته ولم تفرط فيه، شربت نفس الشراب لكي تعيش نفس حالته ولا تفرط فيه، عاشا عالم الحمير واكتشفا الكثير من الأشياء وولدا طفلًا ربته أم البطل بعدما وجدته صدفة على قارعة الطريق.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق