ثقافة وفنون

قراءة في كتاب “أوراق اقتصادية على طريق الحرير”

إن العالم يشهد اليوم تغيرات كبيرة لم نشهدها منذ قرن من الزمان، وتواجه الهيكلية العالمية السياسية تحولاً عميقاً جذرياً، ولكن من المؤكد أن الأمر الذي لم يتغير هو أن العولمة الاقتصادية مازالت اتجاه العصر في مستقبلنا. في هذا السياق، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة “الحزام والطريق” لإحياء الاقتصاد الصيني والعالمي وتحقيق المنفعة المتبادلة والفوز المشترك للجميع، حيث قد لقيت هذه المبادرة الإنسانية العظيمة قبولاً سريعاً وتأييداً واسعاً من الدول على طول طريق الحرير براً وبحراً.

وقد تتبع الدكتور علي الهاجري هذه المبادرة واستجاب لعدد من الأسئلة المهمة حولها في دراسته ((أورق اقتصادية على طريق الحرير))، ألا وهي: ما هي الخلفية التاريخية لطريق الحرير عبر التاريخ؟ وما دوره في تبادل المنافع بين الشعوب وتعميق التواصل بين الحضارات وتلاقح الفنون والثقافات والأديان عبر التاريخ؟ ما معنى مبادرة الحزام والطريق وجوهرها وأهدافها؟ لماذا طرحت الصين هذه المبادرة العملاقة؟  وكيف تلعب دولة قطر والدول الأخرى في الشرق الأوسط وإفريقيا دورها في التعاون مع الصين لتعزيز التبادل الاقتصادي وتوطيد العلاقات الثنائية؟ بالإضافة إلى ذلك، تم تسليط الكاتب الضوء على الموقف الدولي من طريق الحرير من المنطلقات المختلفة في نهاية الكتاب. فلا تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تشمل بياناً تفصيلاً عن مختلفة جوانب الاقتصاد على طريق الحرير فحسب، بل تكمن أهميتها أيضا في كونها قراءة لدور هذه المبادرة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتلاقح الثقافي بين دول العالم.

ولكي يقدم صورة متكاملة عن هذا الموضوع، تم تقسيم الكتاب إلى ثمانية أوراق رئيسية مسبوقة بمقدمة، فجاءت كالآتي:

تناولت الورقة الأولى طريق الحرير عبر التاريخ، حيث أوضحت هذه الورقة الإبداع الحضاري والارتقاء الاقتصادي للإنسان الصيني واهتداءه إلى تكوين شبكة من الطرق. وهذا الفصل هو عبارة عن خلفية تاريخية لطريق الحرير عبر التاريخ، وتوضيح دوره في تبادل المنافع بين الشعوب وتعميق التواصل بين الحضارات وتلاقح الفنون والثقافات والأديان عبر التاريخ. كما استعرضت الورقة الثانية الرؤية الصينية للاقتصاد العالمي بصيغته الحديثة. وتم الوقوف في الورقة الثالثة على التغيير الكبير الذي أحدثته وستحدثه مبادرة الحزام والطريق في طرق النقل العالمية (البرية والبحرية)، وتطوير الموانئ وشق القنوات والسكك الحديدية وغيرها من أدوات وسبل اختصار المسافات وتسهيل التواصل وتقليل تكلفة النقل، والقدرات الجديدة التي أضافها وأتاحها ذلك في مختلف القارات. كما ركَّزت الورقة الرابعة على إبراز مصادر الطاقة المختلفة في طريق الحرير، باعتبارها عصب الحياة للاقتصاديات المنطقة وعلاقة ذلك بالمخزونات العالمية للنقط واستثمارات الصين في الطاقة النظيفة.

وخصصت الورقة الخامسة لدراسة قطر، كأيقونة طريق الحرير. وذلك من خلال إبراز أهمية قطر في طريق الحرير. أما الورقة السادسة، فتم تسليط الضوء فيها على مدى أهمية إفريقيا على طريق الحرير والإضافات والتحولات الكبيرة التي سيحدثها الطريق على إفريقيا. ودرست الورقة السابعة موقع الشرق الأوسط في طريق الحرير، كما تشير للسياسة الخارجية الصينية المهتمة بالشرق الأوسط ورؤيتها السياسية وأطرها التكتيكية وعواملها الحيوية. وتناولت الورقة الثامنة الموقف الدولي من طريق الحرير من المنطلقات المختلفة، اتفاقاً مع المبادرة وفكرتها وتنزيلاتها على الأرض أو اختلافاً معها وإيراد المسوغات.

وإن الأمة الصينية والعربية كلتيهما أمة ذات حضارة عريقة. يعود تاريخ التبادل والصداقة بين الطرفين إلى ما قبل ألفي سنة حيث تم التبادل التجاري والثقافي بين الطرفين عبر الطريق الحرير براً. لكن للأسف أنه هذا الجزء المهم من التاريخ قد تم تجاهل لقرون طويلة. والصين بصفتها دولة صاعدة بسرعة في الساحة العالمية خلال السنوات الأخيرة قد جذبت اهتماماً كبيراً من العالم واستحقت دراسة أسرار نجاحها، وهو ما يعطي هذا البحث أهمية أيضا. مما لا يدع مجالاً للشك أنه من خلال قراءة هذا الكتاب، استطاع القارئ أن يفهم المضامين والأهمية العميقة وطويلة المدى لهذه المبادرة بشكل دقيق وشامل.

ويمكن أن أقول بدون مبالغة أن الكاتب الدكتور علي الهاجري قد تضلع من التاريخ الصيني والمعلومات حول المجتمع الصيني، الأمر الذي مكنه قراءة مبادرة “الحزام والطريق” بوجه صحيح وإيجابي وموضوعي. فأعتقد أن هذا الكتاب سيلعب دوراً مفيداً في تعميق الصداقة والتفاهم بين الصين والدول العربية وتشجيع التشارك في بناء “الحزام والطريق” ومجتمع المصير المشترك للبشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى