سياسة وتاريخ

الدولة الوطاسية “العابرة” وأسباب السقوط

إن الدولة الوطاسية التي حكمت المغرب بعد أفول الدولة المرينية، وكانت القيادة فيها من الشمال، تأسست على يد الشيخ الوطاسي محمد سنة 1471، مستغلة بذلك الصراعات الداخلية للمرينيين.

ينحدر أصل الدولة الوطاسية من القبيلة الأمازيغية الشهيرة بني وطاس، التي كانت تضم العديد من وزراء الدولة المرينية خلال الفترة الأخيرة من حكمهم للمغرب، وقد كان سعي هؤلاء إلى تحقيق أحلامهم بإنشاء دولة وطاسية لهم، هذه الدولة لن تعرف توسعًا كبيرًا على غرار بعض الدول الأخرى التي تعاقبت على حكم المغرب، فقد اقتصر توسعهم على مناطق محددة من بلاد المغرب، وتوقف نفوذهم عند الجزء الشمالي من المغرب، ثم إلى حدود نهر أم الربيع (دكالة حاليًا).

وقد عاق توسعهم الإمكانيات المتواضعة التي يتوفرون عليها من الأسلحة، بالإضافة إلى المشاكل الداخلية التي كانت ترهقهم كثيراً، فلم يستطيعوا مواجهة غزو الاحتلال الإيبيري للثغور والسواحل المغربية، ما أضعف شعبيتهم، وتحولت رغبة العديد من القبائل والزوايا إلى مواجهة هذا الغزو بالاعتماد على إمكانياتهم المحدودة لمواجهة الغزاة، وتسليم أمرهم لدولة قوية تدافع على حرمة الإسلام والأرض.

وأمام كل هذه الأوضاع المتأزمة داخليًا وخارجيًا، لم يكن من حل لتجاوز هذه الأزمات إلا طلب عون العثمانيين المتلهفين لدخول المغرب، فاستنجد آخر ملوك الدولة الوطاسية “أبو حسون الوطاسي” بمد العثمانيين لمواجهة الأزمة الداخلية التي أحدثها المغاربة المطالبين بضرورة التصدي للغزو الإيبيري، والذين ناصروا الدولة السعدية التي تقوت في الجنوب، وبدأت في بسط نفوذها على مناطق كثيرة كانت تحت حكم الوطاسيين.

القوة السعدية كانت كبيرة جداً مقارنة بما كانت عليه الدولة الوطاسية، فقد استطاع السعديون وضع حدٍ للتحالف الوطاسي العثماني، بعدما قضوا على الوطاسيين نهائيا سنة 1554م، وإعلان الدولة السعدية، وبداية عهد جديد من تاريخ المغرب.

عرفت أوضاع المغرب خلال فترة حكم الدولة الوطاسية نوعاً من الضعف والصراع والانقسام، ولم تكن دولة قوية قادرة على حماية نفسها من التمردات الداخلية والغزو الخارجي، وقد فسر كثيرون أن هذا الضعف مرده إلى عدم توفر الوطاسيين على القوة العسكرية الكافية والضرورية لمواجهة الأزمات والغزو الذي كانت تعرفه البلاد، فلم يكن تركيزهم بشكل كبير على المجال العسكري لبسط نفوذهم على المناطق المغربية، ما جعلهم يفقدون السيطرة على كامل البلاد وتوحيدها.

كما أن العديد من المناطق الواقعة شمال أم الربيع (دكالة)، هذه المناطق لم تكن تعترف بالحكم الوطاسي وظلت تعرف استقلالاً، كما أن منطقة تطوان خضعت لإمارة بني المنظرين ومنطقة شفشاون لأسرة بني راشد، وكلاهما من أصول أندلسية، بالإضافة إلى ذلك استمرت حركة تمرد القبائل ضد الوطاسيين مستغلين ضعفهم من جهة، وعدم قبول هوانهم في مواجهة الغزو الأوروبي من جهة ثانية، خصوصًا فيما يتعلق بجباية الضرائب والتي تكلف الوطاسيين جهودًا كبيرة، والتي أمتنع عن دفعها الكثيرون، ما ساهم في إضعاف الخزينة العامة للدولة الوطاسية.

وأمام هذه الأوضاع المتردية داخليًا، أصبحت الدولة الوطاسية صورية فقط، ولم يبق لها من التواجد الفعلي إلا الاسم، وقد تزامنت هذه الأوضاع مع ظهور العديد من الكوارث الطبيعية التي ساهمت في تنامي معانات السكان بمختلف المناطق أمام عجز الدولة على احتواء الوضع، وإيجاد الحلول الاقتصادية المناسبة للوقوف أمام هذه الكوارث، ومن هنا فقدت الدولة الوطاسية مكانتها بشكل كلي عند القبائل والشيوخ والزوايا، بالإضافة إلى عجزهم على احتواء الكوارث، عجزوا أيضًا عن التصدي بالشكل اللازم للاحتلال البرتغالي، خصوصًا بعد أن جدد هؤلاء هجومهم في مطلع القرن 16م، وأقدموا على احتلال عدد آخر من الثغور فاتحين بذلك جبهات متعددة أمام الوطاسيين الذين فشلوا في صدهم.

وأمام فشل الوطاسيين الذريع في احتواء هذه الأزمات، سارعت الدولة الوطاسية إلى الإقدام على خطوة للإبقاء على نوع من الكبرياء الضائع، حيث تم تحريك الدين في خدمة السلطة ومن أجل بقاءها على قيد الحياة، فقد تم استخدام مجموعة من الأئمة والشيوخ بالزوايا في تعبئة السكان بعدما اهتزت نفسيتهم بالنكسات والهزات المتتالية، وأقيمت خطب في أغلب مناطق المغرب، وتم تجييش أتباع ومريدوهم من أجل إقناع سكان البوادي للجهاد في سبيل الله، ثم لبث الحماس الديني والدعوة إلى مواجهة الغزو الأوروبي.

وقد نجحت هذه الخطوة في حشد العديد من المريدين، وأعادت نوعاً من الثقة لدى السكان، كما تمكنوا أيضًا من استقطاب الكثير من المتطوعين للجهاد وجمع الأموال الضرورية لإقامة الرباطات حول عدد من الثغور المحتلة، لكنهم لم ينجحوا في تحرير هذه الثغور المغربية.

الهوامش:
  • الأوضاع العامة بالمغرب وقيام الدولة السعدية.
  • أوضاع المغرب قبيل قيام الدولة السعدية: (بداية القرن16).
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق