ثقافة وفنون

الأمازيغ بين العلم والتاريخ حسب دراسة مجلة العلوم الأمريكية

كما هو معلوم في التاريخ أن أول من استوطن شمال إفريقيا هم البربر أو الأمازيغ لكن هل يدعم العلم  هذه الحقيقة وهذا ما سنكشفه من خلال إنسان تافوغالت ويعتبر الحمض النووي لإنسان تافوغالت أقدم آثار لحمض نووي لإنسان عاقل في إفريقيا حيث يعود تاريخه إلى 15000 عام في مغارة تافوغالت. هذا الاكتشاف تم من قبل فريق دولي وازن من علماء الآثار وعلماء الوراثة بقيادة الأستاذ عبد الجليل بوزوغار، مدير المعهد الوطني للآثار وعلوم التراث بالرباط، وسعيد أمزازي، الرئيس السابق لجامعة محمد الخامس الرباط والوزير السابق، ونشر هذا الاكتشاف من قبل مجلة العلوم الأمريكية (Science). التي أزالت الستار عن العلماء المشاركين في هذه الدراسة إذ نجد فريق مكون من يوهانس كراوس وتشونجوون جيونج من جمعية ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري في يينا بألمانيا، و باحثين من جامعة محمد الأول في وجدة وباحثين بجامعة أكسفورد ومتحف التاريخ الطبيعي في لندن بالمملكة المتحدة، وجمعية ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ بألمانيا. 

وبعدما قام  العلماء بتحليل الحمض النووي للعينات الستة المستخرجة من كهف تافوغالت أصدرت المجلة العلمية سالفة الذكر النتائج والتي كانت صادمة  إذ توقع العلماء أن يجدوا جينات  هؤلاء الرجال الذين عاشوا قبل 15 ألف سنة   تحمل جينات السلالة الجينية الخاصة بجينات الأمازيغ الحاليين ( باعتبار أنهم سكانها الأوائل)  وهي السلالة E-m183 التي تنحدر من السلالة E-m81 التي تنحدر بدورها من السلالة الأم الأفريقية E-m35. لكن النتائج خيبت توقعات كل العلماء المشاركين في الدراسة، فلم تخرج ولا نتيجة واحده لأي رجل من أولئك الأسلاف القدامى على الجينات الذكورية التي يحملها اليوم الأمازيغ المعاصرون، بل خرجت كل النتائج على سلالات تنتشر اليوم (أغلبية ساحقة من حامليها) في “شرق إفريقيا  أي يتواجدون خارج شمال افريقيا (وليسوا بأمازيغ). 

فقد كانت نتائح العينات الخمسة كلها على السلالة E1B1B1A1 أو ما تعرف بالتحور E-M78, أما العينة رقم TAF009 : فجاءت على التحور E1B1B1A1B1 أو V13 وهي السلالة الفرعية من E-m78 التي تنتشر في دول البلقان بينما العينة السادسة رقم TAF015: جاءت على التحور E1B1B1 أو مايعرف بـ E-M215. والمفاجأة لم تتوقف عند هذا الحد، بل  أجريت مقارنة جينية بين هذه العينات ( التي تمثل جثث مكتشفة لأقدم سكان عاشوا لحد الآن في شمال إفريقيا ) مع جينات 72 مجتمع عالمي من مجتمعات قديمة ومعاصرة من مختلف مناطق العالم بالتحديد ( من مجتمعات أمازيغية محلية ومن مجتمعات من  جنوب الصحراء وشرق أفريقيا، ومن المشرق العربي ومن أوربا ) لتحديد من هي أقرب الشعوب القديمة والمعاصرة لجينات أقدم سكان عاشوا  في شمال إفريقيا ، وللتأكد من هويتهم ومن أين جاء  هؤلاء السكان الأصليين لشمال افريقيا قبل 15 ألف سنة وتبين بعد المقارنة الجينية، أن أقرب الجينات المشتركة  (للإيبيروموريسيين) وهم أقدم سكان عاشوا في  شمال افريقيا   قبل 15 ألف سنة، هي جينات من المشرق العربي ومن شرق إفريقيا ، و بالتحديد جينات أكتشفت في جثث قديمة عثر عليها في الأردن تمثل الثقافة النطوفية ( إسم لثقافة قديمة نسبة إلى وادي النطوف شمال غربي القدس في فلسطين) وهو ما يؤكد أصول مشتركة ما بين النطوفيين (سكان ساحل الشام) و الإيبرومويسيين (أقدم سكان في شمال افريقيا ). 

حيث جاء في الدراسة أن جينات  الإيبيروموريسيين (أقدم سكان شمال افريقيا) تتشارك في الأصول الجينية المشتركة مع النطوفيين( أي المشارقة ) بما نسبته 63.5% (في المرتبة الأولى ) ثم تأتي بعدها جينات جنوب الصحراء الافريقيية بنسبة36.5% بينما نفت الدراسة الأصول الأوربية القادمة من اسبانيا للإيبروموريسيين  ما يؤكد العلاقة الكبيرة بالمشرق العربي منذ آلاف السنين ( قبل 15 ألف سنة من اليوم). 

 وقد بدأت المجلة المقال العلمي (Abstract) بما يلي: 

تعد شمال إفريقيا منطقة رئيسية لفهم التاريخ البشري ، لكن الأصول التاريخية الجينية لشعبها غير معروفة إلى حد كبير. نقدم بيانات الجينوم(جينات) لسبعة أشخاص من الانسان المعاصر القديم أعمارهم  15000  سنة من المغرب  ينتسبون إلى الثقافة الإيبروموروسية. نجد تقاربًا وراثيًا( جد جيني مشترك) مع الشرق الأوسط(المشرق العربي) منذ العصر الهولوسيني ، وبالتحديد مع جينات قديمة من الثقافة النطوفية المشرقية ، مما يوحي بوجود علاقة ما قبل الزراعة بين أفريقيا والشرق الأوسط. كما لم  نجد دليلاً على تدفق الجينات (هجرات ) من الأوروبيين من العصر الحجري القديم إلى إفريقيا الشمالية المتأخرة في العصر البليستوسيني. يستمد أفراد كهف تافوغالت ثلث أصولهم من الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى ، وأفضل ما يقابله مزيج من المكونات الجينية المحفوظة في غرب وشرق أفريقيا الحاليين. وهكذا ، نقدم دليلاً مباشراً على التفاعلات الجينية بين البشر المعاصرين عبر إفريقيا وأوراسيا(آسيا+أوربا) في العصر البليستوسيني.  

ويقول الأستاذ بوزوغار في هذا الصدد كنا نتوقع العثور على بعض الروابط مع أوروبا عبر جبل طارق أو مضيق صقلية ولكن النتائج التي توصلنا إليها لا تدعم هذه النظرية.  من وجهة نظري، فإن أهم نتيجة هي أن شمال وغرب أفريقيا والشرق الأدنى، منذ نحو 15،000 سنة، كانت مناطق مفتوحة للهجرات البشرية وتفاعلاتها المختلفة. 

أما يوسف لزاريدس ، من قسم الوراثيات في كلية الطب بجامعة هارفارد الذي لم يكن مشاركًا في الدراسة يقول: ʼʼالصلة الوراثية بالشرق الأوسط واضحة نسبيًا، وثمة الآن ما يكفي من العينات القديمة من الشرق الأوسط وأوروبا للتأكد إلى حد ما من أن عينات تافوغالت كانت بالفعل أوثق صلة بالنطوفيين مقارنة بصلتها بالمجموعات الأخرى من غير الأفارقةʼʼ 

بينما جريدة متحف التاريخ الطبيعي البريطانية (Naturel History Muesum) فقد جاء فيها ما يلي :

’’وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون في الكهف قبل 15000 عام كان لديهم مكونان رئيسيان لتراثهم الجيني. حوالي ثلثيهم مرتبطون بالسكان الذين عاشوا في نفس الوقت في الشرق الأدنى (المشارقة). والثلث الآخر يشبه إلى حد غير كبير الأفارقة من جنوب الصحراء ، ولا سيما غرب إفريقيا.

و تظهر النتائج أن الإتصال بين شمال إفريقيا والشرق الأوسط أو الأدنى بدأ في وقت أبكر بكثير مما كان يعتقده الكثيرون سابقًا ، وأن الصحراء لم تكن حاجزًا سالكًا. ’’

المصادر:

 

ياسين التويجرات السباعي

طالب باحث في سلك القانون بجامعة إبن زهر. باحث في التاريخ المعاصر.
زر الذهاب إلى الأعلى