مال و أعمال

لماذا لا أتفق مع مقولة ريادة الأعمال الشائعة “ابحث عن حلّ لمشكلة شخصية”؟

بعد عشرات المقابلات التي أجريتها مع رواد الأعمال ومؤسسي الشركات، اكتشفت السرّ الذي يفصل بين أصحاب المشاريع العملاقة والناجحة عمّن يغلقون شركاتهم خلال السنوات الأولى (90% من الشركات الناشئة تفشل؟ كيف تجعل شركتك من الـ10%؟).

ربما يتعارض ما سأذكره لك مع كل ما قراته عن ريادة الأعمال:

تأسيسك لنموذج عمل شركتك الناشئة بناءًا على مشكلة شخصية هو أكبر عائق يعترض نجاحك.

أنا لا أنهاك عن عدم التفكير في تأسيس شركة فقط لأنها تحلّ “مشكلة شخصية”، إنما أودّ التأكيد على أن ذلك (قد) يصل بك إلى طريق مسدود!
عندما تجد نفسك تطرح أسئلة مثل: “لماذا تعاني شركتي من الركود؟” أو “لماذا انقطع سيل الإيرادات فجأة؟” فربما يرجع ذلك إلى أنك تعمل على حل مشكلة شخصية، لا مشكلة عملية.

الكارثة المتكررة في عالم ريادة الأعمال

ريادة الأعمال

لنفترض أنك تودّ أن تصبح رائد أعمال. ستُجري بحثًا صغيرًا على شبكة الانترنيت، لتعثر في النهاية على مقالات تؤكد على أن “ما حكً ظهرك مثل ظفرك.”  أي أن عليك إيجاد حل لمشكلتك ثم استثمار مالك وجهدك في تعميم الحل الذي توصلت إليه. لأنه -كما يقول صاحب مدونة Wait But Why الكاتب تيم أوربان “Tim Urban”- هناك “مليون شخص ممن لديهم نفس المشكلة لأنهم مثلك تمامًا، و ربما يستثمرون في الحل الذي تقدمه لهم!”

وهي نصيحة رائعة، لكن لمن؟ لبعض المؤسسين المحظوظين، وربما للشركات الناشئة المدعومة من قبل حاضنات الأعمال. لكن بالنسبة لمعظم رواد الأعمال، فهي طريقة مضمونة لإصابة شركاتهم في مقتل!

إبراءًا للذمة: إذا كنت صاحب عمل أو ما شابه، فقد يكون حل مشكلة شخصية هو حل مشكلة تجارية/عملية أيضًا، لذلك في هذه الحالة تكون النصيحة جيدة. لكن في أغلب الأحيان، حل مشكلة شخصية يعني حل مشكلة المستهلك. وهذه ليست دائما نصيحة جيدة.

كيف تخدعنا (أسواق المستهلكين Consumer Markets)

ريادة الأعمال
لماذا لا أتفق مع مقولة ريادة الأعمال الشائعة “ابحث عن حلّ لمشكلة شخصية”؟

يمكن لأصحاب المشاريع أن يقعوا فريسة سهلة لمقولة أن أسواق المستهلكين “أكبر وأعمق”. وبالتالي يعتقدون، أن وجود مئات الملايين من المستهلكين سيمّكنهم من الاستحواذ على بعض الأسواق!

يخلق المستهلكون اتجاهات “Trend” على تويتر، ويُعلون من شأن البعض فيصنعون منهم مشاهيرًا، ويولّدون حركة زيارات إلى موقعك الإلكتروني. وفي حين تعد معايير النشاط والمتابعة ومرات مشاهدة الصفحة مقاييسًا للنجاح، لكن حين نصل إلى مرحلة (الاستفادة المادية)؟ حسنًا! من الخطأ افتراض أن الشهرة تعادل الإيراد.

توقف عن صيد الأسماك الصغيرة.. ابحث عن الحيتان

ريادة الأعمال
لتستأثر بالأسماك الصغيرة (ونقصد هنا المستهلكين)، ستحتاج إلى  زيادة رأس المال الاستثماري “Venture Capital” لاختراق السوق بعمق كافٍ للحصول على زخم “Traction”. لكن الواقع يقول أن 75% من الشركات المدعومة برأس المال الاستثماري.. تفشل! (كل من يملك خلفية اقتصادية بسيطة، يعلم صعوبة اختراق سوق ضخم مثل: النقل والملابس والسفر والأجهزة المحمولة).

إذًا، بدلًا من البحث عن سوق للمستهلكين، أي العملاء الذين يشاركونك آلامك الشخصية، ادرس نقاط الألم”Pain Points” أو المشاكل في الشركات التي تعمل ضمن مجالات موّلدة للنقد، مثل التأمين، والخدمات المصرفية، والرعاية الصحية ، والخدمات الحكومية، والعقارات، والأمن السيبراني، إلخ.

أعلم أنك بدأت تشعر ببعض الصداع، إذًا، لما لا تنهض لتُكافئ نفسك بكوبٍ من العصير؟

عُدت؟ رائع.. لا شكّ أن بناء شركة من نوع معاملات الشركات B2B لهو أمرٌ غير مألوف. وربما يفتقد للإثارة التي تحملها باقي أنواع الشركات. لكن أرجو تذكر: الشركات لديها ميزانيات أكبر. في حين يبقى الأفراد أكثر وعياً بالتكلفة. هل لك أن تخبرني عمّن يمتلك المزيد من المال لإنفاقه: شركة تحقق ربحًا شهريًا بقيمة 200000$ أم شخصًا براتب شهري قدره 5000$؟ وصلت الفكرة؟ 🙂

يميل الأفراد إلى شراء منتج واحد كل مرة، ولكن الشركات تميل إلى شراء عدة منتجات في وقت واحدٍ. كمستهلك، يمكنك شراء سيارة واحدة في وقت واحد. في حين ستشتري الشركة التي يعمل بها صديقك نصف دزينة من سيارات الشركة خلال شهر واحد!

بات الحديث ممتعًا الآن، صحيح؟

أتعلم ما هو الممتع أكثر؟ أن تكتشف ما إن كان العمل عن بعد يناسب شخصيتك، فربما تجد فيه بديلًا عن ريادة الأعمال!

كيف ترى فرص العمل مع الشركات قبل المنافسين؟

ريادة الأعمال

لا شكّ أن الانتقال إلى نموذج “معاملات الشركات B2B” ليس بالأمر الهيّن، ولكن إذا تمكنت من حل مشكلات الشركات عوضًا عن  مشكلات الأفراد، فستكون النتيجة النهائية: قفزات واسعة وسرعة خارقة في جذب العملاء الجدد.

اسمح ليّ أن أقترح عليك بعض الأمثلة في كيفية الحصول على هذه العقلية:

  • بدلًا من تجوالك بعربة طعام “Food Truck” على أمل أن يشتري منك أحدهم، توجّه إلى شركة واعرض عليها تأمين وجبات الموظفين.
  • بدلا من تقديم دروس خصوصية لطالب جامعي أو اثنين، درّب 50 متدربًا ضمن قاعة.
  • بدلاً من أن تكون مستشارًا ماليًا شخصيًا، حاول أن تصبح مستشارًا للعمليات التجارية.
  • بدلاً من إنشاء دورة تدريبية عبر الإنترنت (قد لا يحضرها أكثر من 5 أشخاص)، أطلق ندوة تدريبية للشركات.
  • بدلاً من برمجة تطبيق قائمة المهام “To-do List”، برمج أداة لإدارة المشاريع مخصصة لمجال معين.
  • بدلاً من بيع المواد الغذائية عبر الإنترنت والاعتماد على إعلانات الفيس بوك، اكتشف طريقة لبيع المنتجات الغذائية بالجملة إلى سلاسل البقالة المحلية.
  • بدلاً من بيع ماركة الملابس الخاصة بك على الانستغرام، انشئ أداة تساعد المؤثرين “Influencers” على صنع علامتهم التجارية الخاصة لكسب المال على الانستغرام.
  • بدلاً من مساعدة المشترين في العثور على المنزل المثالي، ساعد سماسرة العقارات على إيجاد طريقة يمكنهم عبرها مساعدة المستهلكين في العثور على المنزل المثالي.
  • بدلاً من استهداف المتسوقين الإلكترونيين، استهدف المتاجر الإلكترونية.

المشكلة في حل مشكلة شخصية هي أنه غالباً ما يحول دون حل مشاكل الشركات. قلةً هم من يحاولون حل مشاكل الشركات لأنها ستكون أكبر وأكثر تعقيدًا وربما مرعبة. يتطلب الأمر الكثير من العمل لفهم مشكلة الشركات بما يكفي لحلها. ولكن إذا استطعت، فستكون أسعارك أعلى وستبلغ أراحك عنان السماء!

برجاء تقييم المقال

المصدر
eunsetee.com
الوسوم

م.طارق الموصللي

مدّون ومترجم مستقل، من بلاد الياسمين "سوريا". مقولتي المفضلة في الحياة: [لو كانت الكلمة امرأة، لتزوجتها!]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق