علوم وصحة

أضواء هوليود تناديه.. فهل يمتد مشرط سهيل نجار لفحص «دماغ العرب المشتعل»

أحدث سهيل نجار الجراح السوري، الأمثولة والأعجوبة الطبية العالمية، براديغم (نموذجًا) جديدًا فارق في علم تشريح الدماغ وتشخيص أمراضه، وسرعان ما تحولت أنظار الإعلام ومراكز البحث الطبي العالمية إلى متابعة إنجازاته الرهيبة في الكشف عن التكوين العصبي والفيزيولوجي للدماغ البشري، هذا الفنان البيولوجي الذي بات إبداعه واكتشافه الطبي “معجزة” على حد تعبير زملائه الأطباء ومريضته الشقراء سوزانا  كالاهان، التي تحولت قصتها “دماغ مشتعل” Brain on fire إلى أُحجية تتداولها الثقافة التلفزيونية والهوليودية.

هي براغما وذرائعية متبادلة بين شابة كادت تلقى حتفها وينتهي مستقبلها بصورة درامية وهي تتنقل بين مستشفيات نيويورك المتخصصة، وبين اللقاء الأسطوري مع  الدكتور سهيل نجار افتكاكه اللحظة الطبية الكشفية بإبداع الرجل العربي الشرقي، الذي يدين لتشريعات “حمورابي” الطبية ودهاليز “أكاد” وأروقة الإسكندرية والشام العتيقة بالفضل الوراثي والتاريخي العميق.

لم يكن أسلاف سهيل نجار إلا أطباء وصناعًا للثقافة الإنسانية التي مازالت بقاياهم وشواهدهم التراثية ومسلاتهم الطينية تحمل توقيعات حضارية تثبت رقي الإنسان الشرقي القديم الذي أسس للمدينة والمدنية الأولى وشرّع للدولة، كتجمع سياسي راق وجد ميلاده المُبجل عند البابليين والمندائيين وسكان بصرياثا القديمة التي تحولت إلى البصرة العظيمة.

ماذا دهى الإنسان العربي الذي تتكشف نوازعه الأنانية والعدوانية كلما احتك عقله الثقافي بأفقه السياسي، فن المستحيلات ووهم اللعب بالنرد السياسي جعلت الثقافة العربية القيمة منقسمة على نفسها إلى فسطاطين، أو قُل تجمعين تجمع بدائي متوحش مستبد استأثر بالسلطة وصادر كل حقوق الإنسان الطبيعية والإنسانية والاجتماعية والتاريخية لصالحه وأجهز على مفهوم “الأنسنة” بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري.

حين تم التضحية بشعب كامل لصالح السلطة، انفرط عقد القيم التي تتحلى بها الحداثة المعاصرة، التي لا مكان للإنسان العربي فيها إطلاقاً. ولا منطقة فراغ خاصة بالعقل العربي  السياسي المستبد المغلق المتهافت والصادم للقيم التاريخية الخالدة والمعاصرة الحالية، الغارق في أوحاله الشمولية وموته الحضاري السريري.

والتجمع الثاني، يشمل الحيارى من العلماء والمثقفين والشباب النابض بالحياة والشعوب المظلومة  المقهورة التائهة والأدمغة التي باتت تتسلل سرًا وعلانية وتفر بجلودها عبر البحار والمضايق والحدود المغلقة، بما يشبه الفرار العظيم إلى الغرب، عظمة الجمعة العظيم الذي لملم فيه الغرب الأبيض جراحه التاريخية وجمع شتاته السياسي بين الإنجليز والاسكتلنديين.

كشْفُ سهيل نجار المبكر عن الأزمة البيولوجية الباثولوجية لسوزانا كاهالان، مقابل العرفان والفضل الجميل الذي أقرت به الشقراء الأمريكية الجميلة وهي تكتب قصتها الرائعة الممتعة كعربون محبة وافر وفضل إنساني كبير، تروي فيها عملية إنقاذ طبي بطولي انتشلها فيها سهيل النجار من الجنون والموت البطيء الحتمي ومن محابس البارانويا والأمراض العصبية.

هذا التدخل العلمي والسريري للعالم العربي بدأ بكلمتين وشوش بهما في أذن الفتاة اليافعة الغارقة في غيبوبتها “سأجدك أينما كنت”.

متى سيجد العرب أفقهم السياسي ويشخصون أمراضهم وواقعهم الموبوء، قد يبدو الخيال طافحًا بالدلالات مثقلًا بالمعاني، أطرافه مترامية في صور لاواعية هي بمثابة فيض من نماذج للتفوق الإنساني الذي ننشد الخلاص في إبداعه وقدرته على التناغم مع أوضاعه، لكن يبقى الواقع أكثر موضوعية وثباتًا وحقيقةً.

هذا الإبداع الذي خان الذاكرة العربية والتاريخية التي أُصيبت بالوهن والزهايمر والتشنج القاتل، الذاكرة التي انفصم دماغها شقين لا يكاد الأول يتعرف عن الثاني  بعدما انفصلت عن تاريخها القديم وتكوينها السوسيوثقافي.

قد يكون الأمر صادمًا ومؤسفًا، بل قد تتوقف أنفاسك وأنت تفتش بين سطور الشرائع القديمة بعقل إركيولوجي شبيه بالباحث الذي ينبش داخل طبقات التاريخ، هذه الذاكرة اللعينة التي لم تستطع استعادة الحالة الإنسانية والإنسانوية  لحمورابي الإمبراطور الشاب وهو يشجع العلم والأطباء ويمهد لإمبراطوريته التي تشبه المدينة الفاضلة، عدْلُه سبق سيفه  في مملكة أزهر نضجها الحضاري وأينع وكشف عن مخزون من القوانين العميقة في تأسيسها لمجتمع الحقوق رغم قدامة إنسانها العراقي.

قد تتشابه لعنة الدماغ المشتعل لسوزانا بجغرافيا العقل السياسي العربي المعاصر المحترق بآثامه وعوارضه المشبوهة، الذي فقد بوصلته واتجاهه كما فقدت سوزنا القراءة الصحيحة للساعة الموضوعية.

فلعنة دماغ هذه الجميلة، تكاد تلامس لعنة النظام العربي السياسي الذي يمتد من المحيط إلى الخليج، ربما استطاع مشرط العبقري السوري علاج الحالة الدماغية لـ”الدماغ المشتعل”، لكن كيف يمكن اجثتات المراس الاستبدادي لنظم شمولية تعيش خارج عقارب الساعة الحضارية وخارج التقييم التشخيصي لساعة سوزانا المريضة. هل ستحتاج السياسة العربية الراهنة لاجتياح قيمي يُعدّل من النشاط العصبي لها حتى يستقيم التحكم في بوصلتها الأخلاقية؟

التناقض المناعي بين الجسم الذي تمثله الشعوب العربية وبين سلسلة الرؤوس والأدمغة التي تشكلها الأنظمة السياسية يجعلها في تناقض دائم مستمر حين تشتد الحاجة والقلق والفاقة والأسى بهذه الجماهير تهاجم بشكل لا واعي أسطوري الجزء القابع في أعلى هرمها، بما يشبه الثورات الهادئة والحراك النشط والنضال السلس؛ لأن زمن العنف الطبقي والتشدد الثوري الانقلابي قد ولى بدون رجعة.

اقرأ أيضًا: «شريحة إيلون ماسك» صدمة القرن 21 حين يصبح الإنسان آلة

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق