علوم وصحة

«7 بنات لحواء»: إحداهن تطورت لكن أنتجت أمراضًا استفحلت في أوروبا

لقد حتّم تطور علم الوراثة ونشوء تخصص “علم الوراثة السكانية” أن نغير نظرتنا إلى كثير من الجوانب التاريخية، وأبرز تلك الجوانب هي تفاعل المجتمعات البشرية فيما بينها، والأهم هو أصول العشائر السكانية الحالية. على سبيل المثال قبل العام 1996 كان الاعتقاد السائد المبني على نظريات علم الآثار يفيد بأن الشعوب الأوروبية المعاصرة تنحدر من جماعات المزارعين التي انتقلت من الشرق الأدنى إلى القارة الأوروبية منذ نحو 9000 سنة، حاملةً معها نمط الحياة القائم على الزراعة. وهو نموذج “إحلالي” يتم فيه استبدال جماعات الصيادين الباليوليثيين (نسبة للباليوليث والذي يعني العصر الحجري القديم) بجماعات المزارعين النيوليثيين (نسبة إلى النيوليث الذي يعني العصر الحجري الحديث).

في عام 1996 نشر أربع باحثين في علم الوراثة السكانية نتائج دراساتهم حول الحمض النووي للميتوكوندريا البشرية لعينات أوروبية، وذلك في مجلة حوليات الوراثيات السكانية “Annals of human genetics”، تصنف الأوروبيين المعاصرين في سبع سلالات أموية (أسلاف أمومية) رئيسية، واحدة منها فقط ترجع إلى المزارعين الوافدين من الشرق الأدنى والبقية تنتمي إلى جماعات صيادي العصر الحجري القديم الأوروبي، ويرجح أن المرأة التي تسهم بنحو 20% من الوعاء الجيني الأوروبي عاشت فيما يسمى اليوم سوريا. وقد أطلق أحد الباحثين المشاركين بالدراسة وهو بريان سايكس على هذه المرأة اسم “ياسمين” Jasmine.

أثارت هذه الدراسة ضجة كبيرة، وجرت محاولات عديدة لنقضها تجريبيًا ونظريًا، ولكن تلك النتائج صمدت أمام جميع تلك المحاولات، وفي عام 2000 نشرت دراسة في مجلة “العلم” Science الأمريكية، وقد تمحورت حول الكروموسوم (واي)، تدعم إلى حد كبير نتائج الدراسة السابقة.

أفادت الدراسة الحديثة حول علم الوراثة أن “ياسمين” عاشت في العصر الحجري الحديث، على ضفاف نهر الفرات في إحدى المستوطنات المستقرة الدائمة التي ربما بلغ عدد سكانها حوالي 300 نسمة. كانت الحياة قائمة على الزراعة وجمع البذور والمكسرات والحشائش، إضافة إلى صيد الغزلان والحيوانات البرية. وربما مارس سكان “مستوطنة ياسمين” تدجين الأغنام، الأمر الذي وفّر لهم طعامًا كافيًا واستقرارًا أكبر بعد عملية إنتاج الغذاء. لقد أدى ذلك إلى تزايد كبير في أعداد السكان، وهذه الزيادة السكانية لم تكن نتائجها إيجابية على الدوام، إذ أن ارتفاع عدد السكان ساهم بشكل كبير في انتشار الأمراض المعدية مثل السل والحصبة والجدري والأنفلونزا التي انتقلت من الماشية إلى البشر.

كما أن الناس الذين هجروا نمط الحياة القائم على الصيد واعتمدوا على كميات محدودة من المحاصيل المزروعة والحيوانات المدجنة أصبحوا معرضين أكثر إلى المجاعات وخاصة عندما تشح المحاصيل والحيوانات بسبب الجفاف أو الأمراض أو غير ذلك. تبين الدراسات الوراثية أن “سلالة ياسمين” من السكان الأوروبيين المعاصرين تمتد على طول سواحل المتوسط وصولًا إلى إسبانيا والبرتغال، ومنها إلى غرب بريطانيا في ويلز وأسكتلندا، وفرع آخر من تلك السلالة يتواجد في وسط أوروبا.

للمزيد: بريان سايكس: سبع بنات لحواء، ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي، (القاهرة 2003).

اقرأ أيضًا: اللغز الأعظم (5) أصل الإنسان.. وتفسير “آدم العلمي” و”حواء الميتوكوندريا”

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق