مدونات

بين الطفولة والطفوليَّة وقف محمود درويش يراقب بقلمه من بعيد

لأكون صريحاً أمامَ نفسي وأمامَ القارئ، لا أجد مقدمةً واضحةً لهذه المقالة؛ وذلك خوفاً من الوقوع في فخ مقدمةٍ ركيكةٍ تقتل قيمة الموضوع، وأجد نفسي أسيرَ رتابة المقدمات التقليدية، ولعلَّ أفضل ما أقدم به مقالتي، هو بوحي بالسبب الذي قادني لكتابتها، وهو مرتبطٌ بقصةٍ قصيرةٍ حصلت معي، ضمنَ رسالة معايدةٍ على “الفيس بوك” لصديقةٍ لي بمناسبة حلول العام الجديد 2020، قلتُ في جزءٍ منها وباللغة العاميَّة “بغض النظر عن حركاتك الطفولية بس أنتِ حدا بجنن”، بعدَّها مباشرةً لا أعلم تحديداً ما السبب الحقيقي، ولكن كلمة طفوليَّة استوقفتني كثيراً؛ ربما لأنه بالنسبة لي ولجيلي من مواليد أعوام أواخر التسعينيات حتى العام ألفين، تبدوا لنا سنة 2020 بهيبةِ أرقامِها مريبةً ووحشاً كاسراً ينقضُّ على مرحلة الطفولة، ويعلن انتهاءها رسميّاً.

الطفولة؟! نعم الطفولة، فالمراهقة من منظوري ليست سوى امتداد أوسع للطفولة، يكمن القول هكذا أن مرحلة الطفولة انتهت ماديّاً ولكن معنويّاً ما مصيرها؟ هنا يمكن التمييز بين الطفولة والطفوليَّة.

الطفوليَّة ليست مرتبطة بالعمر بل بالسلوك والجوهر الذي يحدده، فتجد إنساناً في الأربعين والخمسين من عمره عدم النضجِ أبرزُ سماته، فالطفوليَّة هي صوت الطفل في داخلنا، وهي مخلفات الطفولة التي تتشبث بنا إلى نهاية حياتنا، هي جوع الطفولة الأول الذي لم يشبعْ، وجرحها الذي لم يشفَ، هي الصحراء التي خلقتها الطفولة في ذواتنا، وهي الحاجة التي لا ندركها غالباً، هي الفراغ الذي يشعلُ داخلنا رغبةًّ عميقةً إلى ما لا نعرف، وكما قال الشاعر الكبير محمود دوريش في ملحمته الشعرية الخالدة “في مديح الظل العالي” التي ولدت نتيجة ظروف سياسية خاصة حين صدورها “هل ندرك المجهول فينا؟ هل نغني مثلما كنّا نغني؟”، لم يقصد درويش فقط الحال السياسي الذي كانت تمر به القضية الفلسطينية وقتها، بل يتعدى المعنى إلى أعمق من ذلك ببساطة؛ لأنه ليس مجرد شاعر ثوري أو عاطفي مثلاً، بل هو شاعر إنساني شامل، فلسفي ووجودي وميتافيزيقي، والذي طالما أشار إلى مواضيع النفس وتوكيد الذات والهوية في قصائده، فهو يوضح الأهمية الكبيرة لإدراك المجهول في ذواتنا، والاقتراب من حقيقتنا وهويتنا ووظيفتنا الحقيقية في هذه الحياة، بحيث جعل استكشاف هذا الخفي فينا أولويةً قصوى لا يمكن تجاوزها، هي ذاتها أيضاً حاجتنا المجهولة التي تؤدي مثلا بشباب جيلي إلى الوقوف كالأخشاب أمام شاشات الواقع الافتراضي مشتتين، والسؤال ماذا أفعل الآن كي أجد نفسي أو أثبت ذاتي للآخرين أيضاً؟ هل هو منشور ناري على حساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم أحدّث صورتي الشخصية على هذه حسابات مثلاً؟ أم أستمع إلى الموسيقى؟ أم أشاهد فيلماً رومانسياً أو فيلمَ خيالٍ علمي أو رعبٍ أو أكشن أو لما لا إباحي مثلا؟

معظمنا يجد في نفسه هذا الطفوليَّ ببساطة، لأن معظم أُسرِنا لم يحصلوا على دوراتٍ أو كورساتٍ خاصة في تربية الأطفال وعلم الاجتماع والنفس، وبالتالي سيكونون ونكونُ ضحيَّةَ جهلهم، لكن قد يتسائل البعضُ أيضاً كيف يبدوا هذا الطفوليُّ فينا؟ يظهر كما أي طفل صغير يبكي ويصرخ ويفعل أي شيء ليلفتَ انتباه من حوله لحاجته، أو بالأحرى لتحصيلها بأي طريقة كانت، الطفوليُّ أنانيٌّ، وبريءٌّ، وساذجٌ، وذكيُّ، وصامتٌ، وثرثارٌ، ومجرمٌ، وعنيفٌ، ولا مسؤولٌ، ومتسرعٌ، وغير واثقٍ من نفسه، وضعيفٌ، وكئيبٌ، ومنطويُّ، وعنيدٌ، ولا أصدقاءٌ له، أو كثير من الأصدقاء غير الحقيقين، وهو أيضًا مكابرٌ، وغضوبٌ، وغيورٌ، وكاذبٌ، ومفرطٌ في صراحته، هو من يجدُ في نفسه بعضُ هذه الصفات، وبالتالي هو ذاته ذلك الشاب الذي لا يعرف كيف يستقر في عمله، وهو أيضاً تلك الفتاة التي لم يدم زواجها شهوراً وانتهى؛ لأنَّ زوجها طلقَّها يأسًا من تصرفاتها، وهو تلك الثلاثينيَّة مدمنةُ الكحول والمخدرات، وذاك الجامعيُّ فائق الذكاء لكن تحصيله الدراسيُّ متدنٍ، وذلك الكهلُ المتطرف جنسيّاً، وتلك الفتاة المنعزلة والتي نكاد نجهل نبرة صوتها.

في الطفولةِ يشفع العمرُ لتصرفاتِنا، ولكن في الطفوليَّة من يشفع؟ والطفوليُّ إذا تزوج وصمد على الأقل في هذه العلاقة، وأنجبَ الأطفال، ولم يعدل الزواج من سلوكه، فلن تكون النتيجةُ إلا نسخةً جديدةً من الأب أو الأم ذوي السلوكيات الصبيانيَّة، هذا إن لم يكن الإثنان يشتركان بذات الصفة، وبالتالي عبئاً جديداً عليهم وعلى المجتمع، وهنا تكمن خطورتها، إذ أنها لا تجلب سوى السوء وانعدام السلام والاستقرار للفرد، سواء في علاقته مع نفسه أو بيئته المحيطة، فضمائرنا وما قد يتبقى منها لن ترحمنا بسوط ندمها، وميحطنا الاجتماعي لن يكون عميقاً لفهم دوافع سلوكياتنا وتصرفاتنا، فالمحيط لن يهتم إلا بالسلوك السطحي الظاهر، وبناءً عليه فقط يسقط الأحكام ويتصرف، وهو غير مستعدٍ للغوص في خفايا كل شخص ومكنونِ كل نفس، والنتيجة أنه لن يكون رحيماً.

فمثلا حين نقول جملة “الضحيّة المذنبة”، كم هو مهمٌ بالنسبة لهم المبتدأ في حضور الخبر؟ وما أهمية السبب في ضوء النتيجة؟ على الرغم من أن الجملة لا تُجزأ، لكن في منظور المحيط الجاهل بخبايا النفوس الفرق بين الإثنين كالفرق بين الخيال والواقع، وعند النظر بواقعيَّة هل نحن نعيش الواقع أم ما وراءه؟ بالمقابل أليس تغير المبتدأ يحرِّف الخبر؟ وإلغاء السبب يعدِمُ النتيجة؟

نسأل أنفسنا كيف نتعامل مع هذا الطفل الذي يتربى في أعماقنا؟ كثيرٌ منا يستميت في إخفائه، ويحاول جاهداً ألا يظهر عجزه وضعفه للعيان بدافع النفس العزيزة والكبرياء، وكما قال درويش في قصيدته “تمرد قلبي عليّ”، “أخاف العيون التي تستطيع اختراق ضفافي؛ فقد تبصرُ القلب حافي، أخاف اعترافي”، فماذا لو تمردت حاجتنا وضعفنا على الطفل المكابر داخلنا؟ ووقفنا أمام المرآة واعترفنا بحوائج نفوسنا ونقاط ضعفها لأنفسنا أولاً، ومن ثم الجهة الصحيحة التي تستطيعُ تنظيف رماد الطفولة من داخلنا؟ ماذا لو اقتنيتُ كتبَ التنمية الشخصية وتطوير الذات؟ وما العيب في حضوري محاضراتٍ وندواتٍ حول ذلك؟ أو الأكثر فعاليَّةً ماذا لو ذهبتُ لطبيبٍ نفسيٍ موثوق؟ هل سيلحق بي العار؟ دليلٌ على الهشاشة إذا لم ننزع هذا الطفل من داخلنا ونتركهُ يقتلنا كل يوم، ويحرمنا من الأمان والاستقرار، وعلامة جهلٍ أيضاً، فالأمم المتحضرة تفنيه، والأمم المتخلفة تعتمد سياسة الترقيع والتنويم والتخدير، والحريَّة الحقيقية تبدأ بتحررنا من نفوسنا وقيودِها، لأنها المنطلق الأول والقاعدة الرئيسيَّة لأي فعل تحرري وتقدمي فيما بعد، درويش تقدم خطوة في قصيدته وقال ” أنا العاشقُ السيءُ الحظِ لا أستطيعُ الذهابَ إليك ولا أستطيعُ الرجوعَ إليْ تمردِ قلبي عليْ”، فحتى الوقوف في منتصف الصراط غير مجدٍ، نعم يمنع عنا قليلاً جحيم التيه والضياع، لكنه يحرمنا من جنة الاستقرار والأمان، ويشعل الحيرة فينا مجدداً، وبذلك لا فرق إن كنا في النار أو في منتصف الصراط، فليكن إذاً طريقُ الحب أقوى من طريق الهجر، وسبيلُ معرفة النفس أولى من جهلها، والإيمان اليقين بأن مواجهة الذات بثغراتها ليس عاراً ولا ضعفاً بل نقيضُ ذلك هو ذروةُ الضعف والعار، أما فيما يخصُ مرحلةَ الطفولة وكما أسلفت الذكر، فماتت بولادة عام 2020، ولكنَّ الحياةَ الطفوليَّة وانتحارها معلقٌ بنا، جيلُ مواليد أواخر التسعينيات وكل جيل.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق