مدونات

يوم في البرية.. في الحاجة لأنسنة حياتنا!

كانت بدايتنا للتعرف على أسلوب عيش “الحياة البسيطة” من خلال فيلم وثائقي تركي مترجم للعربية أواخر سنة 2019، يتحدث عن مجموعة من الموظفين المرموقين داخل المجتمع التركي الذين قرروا عدم التصنع، والعيش ببساطة دون تكلف، وتجنب رسملة أنفسهم وعائلاتهم!

نحن نحتاج حقا أن نعيش حياة إنسانية لا أن نكون كمنتوجات تعيش دورة حياة اقتصادية، وتستبعد(بضم التاء) من المجتمع حينما تبلغ من الكبر عتيا، كما يفعل البعض حينما يرمي والديه في دور العجزة لأنهما لم يعودا منتجان!

وهذا تفكير رأسمالي يضرب الحياة البسيطة في مقتل، إن هدفنا بحق هو إحياء أسلوب عيش أولئك الطائفة من البشر من الأنبياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

رحلةُ بحث عن البساطة

كانت الانطلاقة في صباح الأحد من تلك القرية الواقعة فوق الجبال،هناك حيث تتدثر المنازل بالغمام، ولاتبرح الرياح تفارق أرضها المرتفعة جدا، حينما تترجل في الطريق تشاهد في تلك المنحدرات السحيقة، مغروسات من شتى الأنواع، ومنازل تقليدية وعصرية، يأبى البدوي إلا أن يرتبط بأرضه، فمن تنفس هواء الطبيعة النقي الصافي سيعود يوما، فما بالك بأبناء البلد، فإن الحنين والشوق يكون له رأي آخر ويجرهم الحنين من فترة زمنية لأخرى لزيارة مسقط رأسهم، ولهذا يبنون منازل عصرية حتى ينقلوا المدنية لحياة البدوية.

مشينا حتى وصلنا لسفح الجبل وارتفعنا قليلا فالتقينا مع راعي أغنام، لاتبرح الابتسامة تفارق محياه، رغم تجاوزه الخمسين إلا أن أسنانه لازالت بارزة، وقوية، تحدث لنا عن تنقلاته في مساجد المنطقة ليتعلم ويحفظ القرآن الكريم، وأنه في زمن سحيق كان تعلم القرآن هنا ممارسة رائجة وكان يتخرج من المساجد العديد من الطلبة حاملي كتاب الله، وطريقهم جد مستقيم، أما الآن فالغالبية لاتحفظ حتى السور الصغيرة!

الطريق معوج، به الكثير من الثغرات والعثرات، كانت الحياة آنذاك بسيطة والعائلات لاتهتم كثيرا بالماديات، بل تقدس القيمة، أما الآن فيستثمرون ماديا في الأبناء، حتى أنني عاينت واقعة بنفسي في إحدى المدن المغربية، حينما صرحت أستاذة ابتدائي أن الآباء يرفضون مسار التعليم الأصيل لأن حفظ القرآن سيحرم أبناءهم من التحصيل الدراسي! يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، القرآن سيحفظ أبناءكم وليس هم من سيحفظونه، القرآن خير رفيق في السفر والحظر، القرآن خير موجه، للمسلم في حياته، وإذا أردتم لأمتنا النهوض فلنحيي النفوس بتلاوته وحفظه، والاعتكاف حول البحث عن خزائن الحكمة فيه.

تابعنا المسير ونحن كوكبة واحدة، تبحث عن لحظات من السعادة عساها تجدها وسط تلك الجبال الراسيات، كانت الطريق ليس وعرة، بل معبدة للأرجل، التقينا الفلاحين يحرثون أرضهم على جوانب الطريق، يمتلك الواحد منهم قوة وبأسا شديدا فتلك فؤوسهم تحفر في الأرض حفرا، ويستمتع حينما تحصد مازرعت يداه. هكذا هو الإنسان يفرح بتحقيق أهدافه مهما كانت صغيرة، رأينا طيورا تتمشى مترجلة في الغابة لا تخشى الاعتداء، وطيورا تحلق في السماء، معلنة الحرية أبد الدهر، فمن يستطيع الإيذاء، نحن ملوك في الجو،  نحلق متى نشاء وفي أي سماء، فوق الهمالايا، فوق الأطلس، في السراء والضراء، حينما يقتل طير نعلنها حدادا، ونؤمن بالولاء والبراء، نتولى بني جنسنا ونتبرأ من عباد كفروا برب الأراضي والسماوات السبع!

وصلنا لكهف قرب قمة الجبل، تحيطه الصخور من كل جانب، كهف به ظلماء موحشة، ربما سكن هنا إنسان بدائي قبل زمن سحيق، وعاش حياة برية، عشنا بعض الوقت لحظات من البساطة ممتزجة بالسعادة في قلب الطبيعة، وحينما قاربت السماء من المغيب، عدنا للبلدة وكلنا نشاط لبدء أسبوع جديد من التعقيد

الحياة البرية: حينما تفرض البساطة فرضا

كان الإنسان البدائي (لا أتفق كثيرا مع أطروحة الإنسان البدائي كما يؤكد عليها العلم المنهجي الرسمي، لكني أقبلها على مضض ريثما أتحقق منها ) ملزم بأن يعيش حياة البراري ويواجه الضواري المفترسة، بإمكانياته البسيطة وحينما اكتشف النار تغيرت حياته بالكلية، لكنه عاش حياة عادية، تنقل في الغابة، ضحك، بكى، فرح، حزن، ولم يكلف نفسه بأن يتصنع هذه الأحاسيس ليرضى عنه إخوانه من بني البشر، كما نرى الآن، فلم يحتَجِ البدائي الأول لسيارة آخر موديل ليتنقل، ولم يصور نفسه وهو يجول العالم ليري الناس ما أنعم الله به عليه، وهو يمني نفسه بأن ينال الإعجاب والإستحسان حتى يطمئن قلبه وترتاح روحه، فتارة يصور نفسه في أفخم المطاعم وأفخم المتاجر ،وتارة يزهو بماله زهوا ويتصنع تصنعا مبالغا فيه ،إنه الإنسان المعاصر الذي استبدل بساطة سلفه البدائي بتعقيد وتصنع الحياة ولم يأخذها ببساطة كما يقول الإنجليز في إحدى أمثلتهم(take it easy).

حياة المدينة: نحو المزيد من رسملة الكائن البشري!

تنحو الرأسمالية يوما بعد يوم نحو جعل البشر مجرد حسابات بنكية تصرف في مناسبات معينة، فجرب أن تدخل زائرا لمتجر عصري، فتشاهد الأغنياء من الناس () يجرون عربة من وراءهم، يتحدثون فقط بالفرنسية ليس لأنهم لا يعرفون العربية لكن كما قالت وزيرة البيئة السابقة عندنا بالمغرب ‘العربية تجلب لي الحمى’! والعكس حاصل، يشترون بنهم بضائع رأسمالية، وإذا سألت إحداهن فتترفع عن الحديث معك لأنها تذهب لقضاء عطلتها خارج هذه البلاد، وتعود وهي محملة بالهدايا وحينما يمرض كلب حراسة قصرهم تتقاطر عليها الدعوات من كل حدب وصوب! نعم لن نستغرب من أشخاص يحترمون الكلاب أكثر من البشر (تم ذكر الكلب لمجرد ضرب المثل، نحن نحترم كل الكائنات ولا نحتقر أي منها)، ممن يأكلون مالذ وطاب وإذا ما بقي شيء زاد عن حاجتهم رموه في سلة القمامة ولم يفكروا في جارهم الذي يصارع الجوع مع عائلته، إنها الذاتية ذلك الوباء الذي ينخر مجتمعنا، ويدفعنا نحو الهاوية.

أصبح الناس يقيسون بعضهم بمقدار المال، استغربت ذات مرة حينما سمعت إحداهن سألت المتقدم لخطبتها عن مجموع المبالغ في حسابه البنكي! وكأنها تريد الزواج بالمال، وليس بالإنسان المكون من نفس وروح وعقل وجسد ، اختزلت الكائن المفضل بين المخلوقات في بضع دريهمات! وقفت في صف المادة وعادت الروح، أي مودة ورحمة ستعيشها هذه ، فبمجرد ما ستنتهي أموال الشخص المتزوجة به، ستهرول لمنزلها طالبة الطلاق لاستحالة العشرة! إنها تشبه إخوانها الماديين الذين يتجمهرون حول الغني يطلبون وده، حتى ولو كان سيء الأخلاق، وينبذون الفقير حتى ولو كان ورعا تقيا نقيا، مع أن الأخلاق لدى الغني والفقير، الأخلاق ملك لكل صاحب ضمير، لمن لا يغيره الدرهم والدينار، لمن يعيش بمبادئ وأفكار ما بقي الليل والنهار.

قال لي ذات يوم أحد الأصدقاء الأعزاء، حينما استأذنته بالدخول لنتجول في إحدى المتاجر العصرية بإحدى المدن المغربية، بأنه يكره أن يتواجد في هذه الأماكن ولاترتاح روحه هناك، لأنه يعلم علم اليقين مدى مادية البعض ممن يشتري من هنا، لكني أقنعته بأننا سندخل فقط لإطلالة خفيفة على عالم الرأسمال، هنا حيث تجد موظفة الحسابات تضع أطنان من المكياج، وترفض أن تقبل بحظها من الجمال الذي وهبها الخالق، وكأن ذلك الزبون سيشتريها هي بدل السلع !

أي نخاسة عصرية هذه! والكثير يشتري لكي يراه الناس يشتري الجديد حتى لو كان غير محتاج، لا تشتروا فوق حاجتكم، فلنواجه الرأسمالية المتوحشة كما يطلق عليها الفكر الماركسي، باعتدالنا وتوسطنا في الشراء ،فلا نشتري ما لا نحتاج ،ولا ننبهر بملذات فانية تهلك صحتنا، وتجعلنا روبوتات استهلاكية تعيش لتأكل وتلبس وتنام. وبئس أسلوب العيش.. ولاتنسوا في طريقكم نحو الحياة حاولوا أن تبحثوا عن الحياة، حاولوا أن تعطفوا على الصغير أن ترحموا الشيخ الكبير، أن تساعدوا المعوز الفقير، أن تزرعوا الحب وستحصدون السعادة مسك الختام.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق