سياسة وتاريخ

يوم دُمرت سوريا

حلت بالأمس الذكرى السابعة والخمسون لانقلاب الثامن من آذار 1963 على القيادة المدنية الحاكمة، وهو الانقلاب العسكري السابع في تاريخ سوريا المضطرب بعد استقلالها عن فرنسا، وكما سميت الانقلابات الستة السابقة ثورات؛ أطلق على هذا الانقلاب ثورة البعث؛ نظراً لمباركة حزب البعث برئاسة ميشيل عفلق ونائبه صلاح البيطار هذه الخطوة الكارثية، بالإضافة لاشتراك ضباط بعثيين في تنفيذه.

نفذ الانقلاب كما جرت العادة ضابط سني؛ كون السنة كانوا يشكلون غالبية الجيش السوري وقتها، وقادها اللواء زياد الحريري ابن حماة، وأدار الحريري ورفاقه في الجيش، بالإضافة لعدد ضئيل من المنتمين للبعث المجلس الانتقالي الحاكم، لكن الكارثة الأكبر تمثلت في الرباعي الشيعي الذي شكل اللجنة العسكرية وكان يتحين الفرصة للقفز على حكم عاصمة الخلافة الأموية.

تشكل هذا الرباعي من ثلاثة علويين وإسماعيلي، كان العلويون هم حافظ الأسد، ورفيقيه صلاح جديد، ومحمد عمران، والإسماعيلي أحمد سويداني، لكن ولخوف هؤلاء الرباعي من انتقام الغالبية السنية منهم، استعانوا بحاكم سني بالاسم تمهيداً للحظة الانقضاض على السلطة، وعليه تولى سفير سوريا في الأرجنتين أمين الحافظ رئاسة البلاد، لكنه كان طاغية مثلهم يقطع رأس من يعارضه.

عندما ثار سكان حماة في أبريل 1964 ضد عقيدة البعث الكفرية التي تدرس بمدارس البلاد، ولسوء حظ أهل السنة الغيورين تولى حافظ الأسد منصب وزير الدفاع بالوكالة، وكان مبدأ الأسد هو ذبح كل المعارضين طالما أن ذلك سيرسي دعائم الحكم لعشرات السنين، وهكذا ارتكب الجيش السوري مجزرة حماة الأولى، والتي لم يكتف خلالها بقتل خمسمائة نفس بريئة كل ذنبها أن قالت ربي الله، بل هدم الجنود مسجد السلطان، وأصدرت المحكمة العسكرية أحكاماً بالإعدام على مائتي رجل دين حموي.

استغل العلويون الفرصة ونجحوا في زيادة عددهم داخل الجيش؛ من خلال إقناع حافظ الأسد أكرم الحوراني القيادي البعثي البارز بتعيين د.إبراهيم النعامة ابن خالة حافظ الأسد رئيسًا للجنة الطبية للكليات العسكرية، ومع الوقت زاد عدد الطلاب العلويين في كتائب الجيش السوري المختلفة، بينما بدأ عدد الجنود السنة يتراجع، وجرى التخلص بانتظام من الضباط السنة ذوي الرتب الكبيرة؛ بالإحالة للتقاعد تارة، والإبعاد خارج البلاد كسفراء تارة أخرى.

بحلول نوفمبر 1970، وصل العلويون لحكم سوريا بعدما انقلب حافظ الأسد على الرئيس نور الدين الأتاسي، وسجن رفيقه صلاح جديد، ثم قتل رفيقه محمد عمران من خلال المخابرات عام 1972، وفرض الأسد على سوريا حكم الحديد والنار، وعندما رفع بعض السوريين السلاح ضد نظامه الطائفي القمعي الفاسد بين 1979 و1982، كان رد النظام ارتكاب مجازر مروعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من السوريين، كان أبرزها مجزرة حماة في فبراير 1982.

ورث حافظ الحكم لابنه بشار بعدما توفي ابنه الأكبر باسل في يناير 1994، وعملاً بالمثل القائل من شابه أباه فما ظلم، أوسع بشار السوريين تقتيلاً وسجناً، وعندما ثاروا ضده عام 2011، هجرهم في جهات العالم الأربع، وترك القاصي والداني يستبيح سوريا ليبقي في سدة الحكم، وكل ذلك تبعات الانقلاب الأسود عام 1963.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق