مدونات

يوميات عاشق واهم

فاتن جارة السعد.. أوقعتني الكلاب في حبها..

وقد أعلنت إشارات ضبط الوقت تمام السابعة في إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، من تسجيلات القارئ الشيخ محمد رفعت نستمع إلى هذه التلاوة المباركة من سورة مريم..
كانت هذه المقدمة هي المنبه الخاص لعائلتي، فصوت أمي يمتزج مع هذه المقدمة الإذاعية المعلنة لتمام الوقت، هذه العادة واحدة من العادات التي لم تستطع عائلتي الاستغناء عنها رغم تركهم للقرية وذهابهم إلى حياة المدينة.

كنا قد نقلنا معيشتنا إلى هذه الشقة بعد حصول والدي على درجة الدكتوراة، وبها ترك والدي التدريس في مدرسة الأمل ليصبح أستاذًا جامعيًا. تصادف تركنا للريف مع بداية دخولي للصف الأول الثانوي، كان هذا مطلع العام الدراسي الجديد لسنة 1887، كنت غاضبا من انتقالنا إلى هذه المدينة لا لشيء إلا لأنني تركت أصدقائي، فأنا لست اجتماعيًا ونادرًا ما أقيم صداقات جديدة فأنا زاهد في مثل هذا.

ذهبت إلى المدرسة وكانت مشتركة تضم الأولاد والبنات مع بضعهم البعض؛ فالفصل الواحد نصفه بنات ونصفه الآخر أولاد. تصادف جلوسي في المقعد الأخير بجوار فتى طويل القامة ذي بنيان مشدود، لكن مع ضخامته هذه كان ودود لدرجة تجعل الخجولين مثلي يتحدثون معه..
أنا اسمي عماد وساكن في حي الزهور العمارة رقم 9 الدور الرابع.
وأنا اسمي أحمد ساكن في نفس الحي بس في عمارة 1، يعني إحنا جيران بس أنا أول مرة أشوفك.

يحكي عماد قصة انتقالهم من قريتهم قرية الجرجانة حتى استقروا في سكنهم هذا.

يعتاد عماد طريق إلى المدرسة بصحبة أحمد وتتحول هذه الزمالة إلى صداقة متينة، فكانت رحلتهم اليومية تبدأ في تمام السابعة والربع صباحًا وتنتهى بترك عماد أحمد في تمام الواحدة والنصف ظهرًا أمام العمارة رقم 1 حيث يسكن أحمد.
يخطو عماد خطواته الثابتة تجاه منزله في نظرات أمامية لا تلتفت يمينًا ولا يسارًا حتى تعترضه تلك الفتاة منادية إياه، كان هذا هو صوت فاتن، تلك الفتاة الجميلة محمرة الخدين ذات الملامح الرقيقة والبريئة، تسكن معه في نفس العمارة في الطابق الثاني. وعندما سمع صوتها تناديه تخشبت قدماه وتوقف كالصنم بمجرد سماعه لصوتها..
فاتن: كنت أنتظر أن يعبر أي شخص الطريق حتى أعبر معه، فأنا أخشى هذه الكلاب الضالة، فهل لك أن تسمح لي بالسير معك حتى نعبر تلك الكلاب؟
يجيبها عماد بصوت متقطع: لا …تخاف…يي، فأنا اعتدت مثل هذه الكلاب في قريتنا.

تتجاذب معه فاتن الحديث حتى يصلون إلى تلك البناية حيث حل سكنيهما، تخبره فاتن بأنها ستنتظره كل صباح ليذهبون معًا إلى المدرسة حتى تتجنب الكلاب في رحلتها اليومية، تلك الرحلة التي لطالما عانت فيها وحشة الطريق؛ فبنايتها كانت على أطراف الحي تحدها الصحراء كعادة المدن الجديدة آنذاك، وبوجود عماد ستنتهي معاناتها مع تلك الكلاب.

صباح الخير يا فاتن.

صباح النور يا عماد، لنذهب إلى معانتنا اليومية، حيث معاناة الكلاب ومعاناة اليوم الدراسي.

يسألها عماد: هو أنتِ في فصل أولى كام؟

تخبره فاتن بأنها في أولى ثاني.

يقطع الحديث انتظار أحمد لعماد كعادة كل يوم، لكن كان المستجد هو إتيان فاتن معه. يتبادل الفتيان التحيات وترد فاتن تحية أحمد ثم تبدأ النميمة على المدرسين والطلاب.
يعتاد عماد على فاتن وأحمد فيصبح لقاؤهما كل صباح ومساء ضرورة من ضروريات اليوم الدراسي، لكن فاتن كانت تستحوذ على وقته أكثر من أي شيء، فعلاقة عائلة عماد وفاتن تطورت وأصبحت الزيارات المنزلية متبادلة بينهم فكانت فاتن تستحوذ على معظم أوقات عماد بحكم أشياء كثيرة منها الزمالة وكونهما جيران في نفس البنية.

تنبض دماء الحب تجاه فاتن ويحاول عماد الاعتراف لها بما يكنه لها من عشق وهيام لكن طبيعته وخجله حالت بينه وبين الاعتراف، وظل عماد يعيش على اللقاءات معتقدًا أن فاتن تسير معه كل صباح ومساء حبًا فيه وليس فقط خوفًا من الكلاب.

لكن الحقيقة أن شخصية فاتن كانت عكس ملامحها؛ فهي لم تكن خجولة كملامحها أو تحمل البراءة كما يحملها وجهها؛ فهي كانت جريئة لا تخشى شيئًا سوى الكلاب ولعل هذا هو ما جعلها ترافق عماد طوال هذا العام الدراسي. وعندما حاول عماد التعبير لها عن حبه كانت ضحكاتها تخرج كالسهام في قلبه مخبرةً إياه بما بينهما من فارق في العمر، فهي تكبره بخمس سنوات! يتسائل عماد مع نفسه كيف هذا وهى تذهب معه كل صباح إلى المدرسة الثانوية!!!
 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق