علوم وصحة

“يوري وميلر” هل الهيدروجين الأساس!

في البدء كان الهيدروجين. كل شيء بدأ بهذا العنصر الذي بقي مستقرًا طيلة تاريخ الكون، الأمر الذي يجعل ذلك التاريخ مقتصرًا على التغييرات الميكانيكية لغيوم من الهيدروجين.
في الواقع يحتوي الهيدروجين على إمكانات لا حصر لها، تتجلى عن استخدامه لقوانين الطبيعة؛ فإن الشروط الكافية تجعله يخضع لتحول مستمر عبر الزمان ينتج عنه كل شيء، بما فيه نحن. من خلال تتبع التسلسل الزمني الذي تلى نشوء الكون، لن نحتاج لأي تفسيرات ما ورائية أو ميتافيزيقية، لأن هذا التنظيم المدهش والبنية المعقدة ناتجة عن تطور تراكمي تفسر فيه كل خطوة ما يليها بمجرد تطبيق قوانين الطبيعة عليها.
إن الزمان والمكان، وقوانين الطبيعة تجعل التطور عملية طبيعية وحتمية. لكن شروط الإنطلاق هي ما يجب دعوتها بالأعجوبة! أي إنسان مثقف علميًا يتفق مع ما ذكر أعلاه، لكن كثيرًا من الناس يستصعبون فكرة ظهور شيء جديد جذريًا، مثل ظاهرة الحياة، كامتداد حتمي لما سبقها، وذلك لاعتبارات تتعلق بالموروثات الثقافية (وهي ذاتها الاعتبارات التي ينطلق منها عادة في رفض ظاهرة التطور البيولوجي).
إن المشاهدات العلمية جعلتنا نعرف أنه بالإمكان انبثاق “شيء جديد” بناء على عناصر موجودة من قبل. الماء مثلا هو اتحاد بين الهيدروجين والأوكسجين. فبسبب الخصائص المميزة لتوزع الكترونات الذرات التي يتألفان منها هناك استعداد وميل للاتحاد مع بعضهما ما يعطي شيئا جديدًا وهو الماء.
هل يمكن إيجاد إجابة طبيعية عن كيفية نشوء المادة العضوية من المادة اللاعضوية؟ بمعنى: كيف نشأ كل من البروتين والأحماض الأمينية ومكونات الحياة الأخرى انطلاقًا من الجزيئات البسيطة كالميتان والآمونياك والماء وغاز الفحم؟
أجيال من العلماء جهدت في محاولة الإجابة هذا السؤال حتى منتصف القرن الماضي. كان العلماء قد جربوا طرقا كيميائية معقدة ووضعوا فرضيات أعقد، وباءت جمبعها بالفشل. بدا الطريق مسدودًا ولم ينجح العلماء بإيجاد تفسير طبيعي لخطوة انتقال المادة الميتة إلى المادة الحية.
في عام 1953، وفي هذا الجو الحرج قام كل من هارولد يوري وستانلي ميلر (من جامعة شيكاغو) بخطوة حاسمة. فقد سلكا طريقة بسيطة مختلفة عن كل الطرق المتشابكة التي قام بها العلماء قبلهما. وذلك من خلال إعداد ظروف مخبرية تحاكي الشروط الافتراضية التي وجدت على كوكب الأرض في مراحله المبكرة، ويتم تفحصها من أجل التحقق من حصول التطور الكيميائي، في دورق يحوي مزيجًا ساخنًا من الهيدروجين وبخار الماء والميثان والأمونيا، وعرضا مزيجهما إلى تفريغات كهربائية (كشكل من أشكال الطاقة) أدت خلال أيام قليلة إلى تخليق الأحماض الأمينية مثل الجلايسين، ألفا ألانين، بيتا ألانين، إضافة إلى أدلة على وجود أحماض أخرى. وكذلك اتحاد الهيدوجين.
رغم الانتقادات العلمية اللاحقة التي لحقت بتجربة يوري وميلر، إلا أنها أصبحت من التجارب الكلاسيكية الأساسية لدراسة نشأة الحياة، ومثال بسيط على الأسس المادية القابلة للاختبار والدراسة لنشأة الحياة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق