علوم وصحة

ينهي حياته عن قناعةٍ تامة.. جولة في عقل «انتحاري»

تُعرف ظاهرة الاستشهاد بأنها احتمال الموت والقتل في سبيل العقيدة أو الوطن أو القوم أو المبدأ، ويذخر التاريخ الإنساني بقصص الفداء والتضحية بالنفس في سبيل القضايا الإنسانية والقومية والدينية، وهذه الحوادث والقصص موجودة في جميع الثقافات ولدى جميع الشعوب، ولا زالت حوادث التضحية بالنفس التي تتم بدوافع عقائدية موجودة إلى يومنا هذا، خاصةً في مناطق النزاعات والتوترات.

من الملفت للنظر، أن علماء البيولوجيا النظرية لم يبذلوا الكثير من الجهد لمحاولة تفسير هذه الظاهرة من منظور بيولوجي؛ إذ أن كثيراً من علماء البيولوجيا يعتبرون أن هكذا أمور ينبغي تفسيرها بمصطلحات العلوم الإنسانية بشكل أساسي، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وليس البيولوجية، وإن أردنا محاولة تفسير ظاهرة الاستشهاد أو حتى الانتحار باستخدام المفاهيم البيولوجية فينبغي معرفة العوائد التي يمكن أن تقدمها للفرد أو الجماعة أو النوع؛ وبما أن المنتحر أو المضحي يبذل حياته، فإن العائد الفردي هو صفر.

لكن هل يمكن أن تستفيد الجماعة بموت فرد منها بشكل طوعي وعن قناعة تامة؟ لو افترضنا وجود شعبين متناميين يعيشان على أرض مشتركة محدودة الحدود والموارد، وكل شعب يدعي أحقيته التاريخية بهذه الأرض، إذ يرى كل منهما أنه في فترة ما من الماضي لم يكن كلاهما موجودًا، بل أسلافه فقط كانوا موجودين، ولو كان كل شخص من الجانبين يعتقد أن نسبه يمتد زماناً على هذه الأرض لألف سنة بينما نسب الشخص الآخر يعود إلى خمسمائة عام فقط على سبيل المثال، فإنه قد يعتقد بأن له الحق بطرد الشخص الآخر ليستفيد شعبه فقط من موارد هذه الأرض، وعندها فإننا سنرى أقصى درجات التضحية من قبل الفرد لغاية أن يستمر شعبه أو قومه بالوجود. هكذا تتخذ التضحية أو الانتحار صبغة عقلانية.

إن التضحية موجودة في عالم الحيوانات، فمن سعى للتخلص من الجرذان في حديقة منزله، يعرف أن هذه الحيوانات لديها هذه الظاهرة. فحين تدس سمًا في مادة غذائية تحبها الجرذان بغرض تسميمها، فإن هذه الحيوانات ترسل بعض أفرادها كنوع من التجربة فيما يطلق عليه ظاهرة الاستشهاد أو ما يُعرف بـ”الانتحاريين”، وحين تأكلها ولا تجد تأثيرًا سلبياً فإن بقية الجرذان سوف تتشجع وتأكل من هذه المادة، لكن عندما يتعرض أحد “جرذان التجربة” إلى السوء بسبب الطُعم، فإن بقية الجرذان سوف تمتنع عن تناول أي منها. هنا حالة واضحة عن شكل من أشكال التضحية.

أما بالنسبة للانتحار، قدم العالم البيولوجي بريت وينشتين، تفسيرًا لهذه الظاهرة، يقول إن المنتحرين في ثقافتنا الحديثة يشعرون بانعدام القيمة، وأن حياتهم قائمة على استهلاك الموارد فقط دون أي مردود، بالتالي فإن انتحاره يكون على صلة بذوي القربى أو النسب.

يقدم الشخص على الانتحار لصالح الجماعة، وذلك لتوفير الموارد، بالتأكيد فإن هذا النوع من الأشخاص قد يمتلكون انطباعات سيئة عما يمكن لهم تقديمه لأنفسهم وللآخرين.

لا أدري لأي حد يمكن اعتبار هذه التفسيرات منطقية، في ظل حقيقة أننا نعيش في مجتمعات بالغة التعقيد ويمكن لأي أثر صغير أن يكون له أثرًا هائلًا في المنتج النهائي للأفعال البشرية.

اقرأ ايضًا: كيف تنقذ شخصا مقبلا على الانتحار؟

اقرأ أيضًا: الانتحار.. سعادة تحققت أم سعادة تعذرت؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق