مدونات

يناير لم تكن ثورة

لا أدري إن كنا قد استبقنا الأحداث فعشنا أحلام الحرية بمعزل عن الواقع، أم تصورنا أننا الجيل الذي أضاف قيمة حيوية للروح الوطنية التي ابتلعها الجمود، وأتسائل هل أضفنا مؤنة الأمل للشعور الذي سبق ويأس فلعن وسب الوطن جهرا وسرا، أم بهزيمتنا المعنوية تلك قد جعلنا قاصرين على أن نفوز بالوطن والمواطنة.

والحقيقة السرمدية الأبدية كانت دوما واقعا اجتماعيا مريرا لأغلبية لاتدرك قوة سلطاتها ومدى تأثير تحركها، وإن كانت يناير قد بدلت شيئا من تلك الرمزية البائسة إلا أن الطبائع تغلب دوما، فضلا أيضا عن الغلو والتفاني في الهزؤ واللامبالاة الأمر الذي أعاد المجتمع من ثورته الناجعة إلى فوضويته الإدراكية، أيضا البعد العمري ما بين العقل الشاب المتفائل بالتغيير والعقل السلطوي السطحي المؤمن بالسكون للآباء قد خلق نوعيا ما يسمى ثقافة التخوين، فغالبا ما انتهى بنا الحال بازدواجية معيارية في قياس الأمور رافقت نظراتنا للأحداث وحكمت على تحركاتنا وأفعالنا، فبعضنا سبح مع تيار العودة إلى ما قبل يناير وبعضنا واجه حركة الردة الانتقامية تارة بالخوف فاستكان، وتارة برعشة التوق الأخيرة  فكان المصير في غياهب السجون أو في بطون تربة الوطن، لذلك لا أستغرب عندما يعتبر إعلام المنتفعين أن يناير لم تكن ثورة.

وليس التباكي الآن هو الوضع الأمثل لجيل قدم دورا في عملية إفاقة الوطن وفشل، ولا الدعوات لإعادة إنتاج موجات ثورية جديدة قد تفلح على الأقل في المدى القريب، وإن نجحت حركة ثائرة في إحداث فارق مؤقت ومحدود لن تنجح في مجابهة التنكيل المتوقع والمشابه لما لحق بيناير ورموزها، وبدون  تفضيل قد أمست يناير لعنة من آمن بها الأمر الذي يحتم علينا إعادة تقييم لفروض التغيير، خاصة وأن المجتمع لا يواجه آثار تهميشه ولا يذعن لمثوله في خانة المنكسر.

أولا علينا أن نعترف كون مشاريعنا تفتقر التجذير الجماهيري وينقصها إرشاد القاعدة الشعبوية بأفكار حقيقية وواقعية وترك أحلام الحرية المجردة من معاني التغيير الجمعي والاستقلال الفكري، ببساطة علينا أن نقود ثورة فكرية شاملة.

وتنوير العقول بأهميتها لهو أصعب من المناداة باتباع فكر تنويري ما، لكن ليس من المستحيل إطلاقا إشعال قبس الإنسانية في نفوس قولبت نفسيتها الذهنية في قوالب الأتباع الخانعين، ومراحل الإحياء الذهني يجب أن تتم بالموازاة مع مراحل الإدراك العملي للواقع، فالمحاولات الانتقامية إعلاميا لبعض القطعان المعارضة التي زحزحت عن قمة السلطة بعد ما نالتها لفترة قد أثرت بشكل أكثر سلبية على اتجاه الرأي العام، لذلك يجب أن يتم تقنين أخلاقي لما يتصل بحرية الأفعال لدينا  وتحجيم لحرية الفرد منا في إختيار أسلوب تعبيره عن فكره وإلتزام سقف موحد لتجنب الغلو بالأفكار و التحيز المسبق لإحداها، كما علينا أن نوجد أساليب غير تقليدية للوصول إلى قاعدة المجتمع والتأثير إيجابا فيها .

إن أمرا مثل تدشين أفكار وطنية عن رؤية مستقبلية ليس بصعوبة مواجهة السياسات الحالية، السياسات التي تدفع نحو تقنين نظام شديد المركزية أبرز نتائجه تعود بالنفعية لشخص بعينة، بينما لابد أن نختار بين سبيلين الأول مواجهة تلك السياسات المستوحشة والمبررة لكل ما يتم، أو التوجه مباشرة نحو الشارع والمراهنة على القدر الذى سوف نحييه من عقلانيته، والسبيل أو الحل الأول يبدو ضبابي المعالم كونه يمثل مخاطرة ضياع  المسعى وتشتته فيما بين مشكلات عدة أكثرهم خطورة مواجهة إتهامات التخوين والتخريب وأقلهم بأس إبعاد وعي العامة عن أهمية الدعوة وجديتها، أما الحل الثاني فأجده المناسب لعدد من الأسباب، لأنه الخيار الأكثر ضمانة للتأثير والأسهل من حيث التطبيق والآمن من وجه المخاطرة والوحيد بدافع الإضطرار .

يجب أن ندرك بأن مشكلتنا ليست في بقاء النظام الحالي أو رحيله، المشكلة في تواجد نفس النمط ونفس السياسات في كل مرة ننحاز فيها لخيار التغيير والتاريخ كفيل أن يخبرنا بذلك، بل إن الأسوأ عندما نعلم بأنه في الماضي كان الناس أكثر قابلية للتغيير من الآن وأتحدث عن التغيير الذي يحمل رؤية ومستقبل.

أما الآن عند طرح الفرصة لابد أن يستشعر العامة التغير المادي الحالي الغير مؤمل بإشارة مستقبلية، وهذا وتر لعب عليه كل نظام حكم  فيما بعد 52، فقدم كل نظام ما يرى بالعين وفضله الناس عن كل ما يبنى للغد، أما في الوقت الراهن هناك تلك الإشارة التي تدفع كل مثقل بالهموم نحو رفض هذا الوضع لكن ما يتم من تصريف لهذا الامتعاض وهذا الغضب في غير محله يشتت المعنى الحقيقي للتغيير، الكثيرون يستشعرون الخطأ الذى يمارس طوال الوقت لكنهم لا يملكون سوى التعبير بشيء  من السلبية فمثلا نجد المقاطعين للإنتخابات أو الاستفتاءات أكثر بكثير من من شاركوا ورفضوا .

وهذا هو الأمر الآخر بالغ الخطورة هو رغوب الرأي العام عن التعبير سلميا عن آراءه بدافع الخوف أو باللامبالاة المعتادة، و يجب توجيه المسؤولية بالشكل القومي الذي يشعر معه المواطن بأهمية رأيه ومسؤولية توجهه، وتوجيهه بضرورة مشاركته في فرصة التغيير التي من شأنها جعله هو ذاته مشروع قائم للتغيير ، إن أبرز مشاكل المفكرين أو الساسة الوطنين بشكل عام عند تقيم وعي الناس تلك الصدمة التى يفضيها الواقع المؤلم،  فإما يصاب صاحب مشروع التغيير بالإحباط وتؤثر فيه إحباطات الشارع ، أو يدفع نفسه للمحاربة وحيدا بعيدا عن تطلعات الشارع الفعلية والتي تتغير مع الظروف المتغيرة للمناخات السياسية، إن التغيير لا يتأتى إلا من خلال التحرك والتصادم مع الواقع المبرر بإستمرار سياساته ولا يأتى  من فراغ وتخيلات العقول التي ترغب فيه،   وهو ضرورة حتمية لاستمرار الحياة فمع غيابه يكون هكذا الواقع الذى نعيشه.

وبلاد بنت نهضتها السياسية و الثقافية والاقتصادية لم تبنيها بمعزل عن الرأي العام، بل كان المواطن في كل مناسبة مدعوا للمشاركة بغض النظر عن البرامج التى توافقت وتلاقت أفكارهم بها، نحن لسنا الحضارة التي بنت الأهرامات بل نحن بالتأكيد الحضارة التي تريد أن ترى النور، نحن الشارع الذي ضاق ذرعا بما يواجهه ونحن الشعب الذي سوف يثأر ليناير، بالتأكيد يناير ثورة حقيقية  لكنها تبحث عن الإنقاذ.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق