مدونات

يعود العالم إلى الأنوثة فماذا عنكِ؟

منذ بداية ظهور الأحداث الحالية وهناك رسول بداخلي يخبرني بأنه تطهير وشفاء على كل المستويات، تتطهر الأرض وتتوازن من جديد، مما سينعكس ذلك علينا سواء رجال أو نساء، ولكني سأخُص بحديثي النساء.

شعرت بأنها فرصة عظيمة لنا كي نرجع لحال أنوثتنا الفطري، للسكن، الهدوء، الاستمتاع، الاستقبال، التوقف عن الركض وراء تحقيق الإنجازات، والقوالب التي أصبحنا نسمح لأنفسنا أن نوضَع فيها، وكأن العالم توقف عمدًا معلنًا إلى متى سنستمر بالاستعجال، السيطرة، الثورة، الركض وراء تحقيق الإنجازات، الركض في العالم الخارجي دون تلبية نداءات العالم الداخلي، السعي واستنفاذ الطاقة وراء تحقيق القالب الذي وُضِع لنا تحت مُسمى strong independent woman، وهذا الركض لم يضر بنا فقط بل بالأرض أيضًا.

فالتخريب الذي حل بها كله من فعل الإنسان، وإذا كان الإنسان مستبصرًا بعالمه الداخلي، فلن يستطع أن يقوم بأذى وضر ما في الخارج، فكان لا بد من أن يأتي وقت وتعلن فيه الأرض استغاثتها لتعود لتوازنها الذي خلقها الله عليها، ونتوازن نحن معها أيضًا.

مما يحدث الآن أصبح من الضروري السماع لمشاعرِك ورغباتِك الداخلية، اتباع صوتِك الداخلي الذي قُمِع بانشغالك في كل ما هو خارجي، الأرض تُخبرِك بأن عليكِ الإنصات لحواسك وما تخبركِ به، بأن قيمتك لا تبحثي عنها في تحقيق إنجازاتك الخارجية؛ بل القيمة الحقيقية لكِ التي لن يستطيع أحد أن يسلبها منكِ تكمن كلها بداخلك، هي في انتظارِك الآن لتجديها، والسبيل الوحيد لهَديك لها هو الصدق.

فليست المشكلة في المنزل والجلوس به، وإنما المشكلة لدى معظمنا أنها غير معتادة المواجهة، كانت دائمة الهرب من نفسها وما يدور بداخلها في العالم الخارجي، تقمع ذلك الصوت الذي يخبرها بأن لديها خلل ما بداخلها عليها حلُّه، فطبيعي جدًا عندما يأتي ما يجبرها على الجلوس في هدوء فهي لن تطيق ذلك؛ لأن عقلها حينها لن يصمت، ولن يكون هناك مصدر خارجي تهرب إليه ويشتتها من الضوضاء التي بداخلها.

دائمًا بداخلي شعور بأنه ليس علينا سوى الاستجابة والاستقبال، ونعيش بحال السريان، لأن المقاومة لن تكون في صالحنا، نعش الآن بكل ما فيه من تسليم وتوكل لله، بدون تفكير مقلق وماذا سيحدث فيما بعد؟

وفي نفس الوقت لا ننساق وراء تحديات الإنجاز التي ظهرت من بعض الأشخاص العاملين في مجال التنمية الذاتية، بأن علينا أن نقرأ آلاف الكتب وننهي آلاف الدورات التدريبية، ونستغل هذه الفترة وإلا سيصيبنا الندم فيما بعد، ولكن الذي سيصيبنا حقًا هو الشعور بالضغط والتقصير، وبأننا أقل من الذين يفعلون ذلك إذا لم نصبح مثلهم، ومجددًا سنُوضع في قوالب وضعها أحدهم ويجب علينا اتباعها.

أنا لا أقول لا نقرأ ولا نأخذ دورات تدريبية، ولكني ضد قولبة الشعور بالإنجاز في شيء مادي واحد، ووضع معيار يتطلب من الكل السير وفقه، في حين بأن أكثر ما نحتاجه في هذه الفترة هو الهدوء، السكون، اتساع النفس، أن نُهدِئ رِتم خطواتنا قليلًا، رويدًا رويدًا فنحن لسنا في سباق أو في مدرسة، نحن في حياة، فمُحبب أن نعيش الحياة، نعيش حياتنا وتجربتنا، وليس أن نستخدم حياتنا للهرب مما في داخل حياتنا الداخلية!

كل شيء يحدث الآن يُثبت أن الحياة أساسها ليس الإنجاز، وكم حققنا، وبكم دورة اشتركنا وكم انهينا، وكم كتاب قرأنا، وكم صفقة أتممناها!

أساس حياتنا هي الأشياء التي نزرعها بداخلنا؛ التي تساعدنا على الإنجاز، فالشعور بالحرية هو الآن أول المشاعر التي نشعر بقيمتها وأهمها، لماذا؟ لأن الآن لا نستطيع الخروج في أي موعد بحريتنا، ولا نستطيع الذهاب لأماكنّنا المفضلة، ولا رؤية أحبابنا بشكلٍ مستمر، ولنا مواعيد محددة يجب أن نكون متواجدين في المنزل من قبلها.

فإذا لم تكوني تشعري بالحرية من داخلك سابقًا؛ فسيزيدك هذا الوضع سوءًا، أما إذا كنتي تشعرين بها بالفعل في ظل أوضاع العالم الراهنة، فإنها لن تؤثر عليكِ إلا قليلًا، إذا لم تكن تؤثر على الإطلاق، فكيف ستستطيعين الإنجاز وأنتِ تشعرين بالكبت والتقييد؟! ثم أخبريني عن مزاجِك؛ كيف هو؟أتستطيعين الإنجاز وأنتِ في مزاج غير جيد؟ وماذا عن شعورِك بالأمان والاطمئنان؟

إذن هناك أشياء داخلية عليَّ أولًا أن أُولّيها اهتمامي كأنثى، وهي شعوري بالحرية والاستمتاع وشعوري بالأمان ومدى مرونتي، لكي أستطيع الإنجاز وأنا مستمتعة، بدون ضغط، بدون الشعور بأنه عليَّ التنافس مع هذا وهذه، بدون التقليل مني ومن حجم خطواتي، بدون مقارنتي مع الغير.

مثلًا أنا، كل ما أفعله هذه الفترة ليس للإنجاز وكأني في سباق أثناء الحجر المنزلي أو الحظر! إنني أفعل الشيء من منطلق أنه سيضيف لي، سيُغيّر مزاجي، سيفصلني عن التفكير، أفعل الشيء الذي أعرف أنه سيزيد من سِعة نفسي، فكل شيء أفعله من قراءة، رياضة، كتابة، سماع دورة تدريبية، أي شيء هو من باب المزاج ليس إلا.

فهذا ما نحن بحاجته، أن تكون نفسيتنا بأجمل وأحب وأروق حال، لذلك أفعل من باب الحب والمزاج لنفسي وليس بهدف الإنجاز، لأنني أرى طالما أستطيع عيش أيامي منسجمة مع نفسي أولًا، وعيش حالة السكن والحرية والاتساع، طالما سيكون مزاجي جيدً و(رايق) والنتيجة الطبيعية لذلك ما هي؟ أنني أستطيع الإنجاز من منطلق قوة أنثوية متزنة، ناعمة، وقوية مثل الماء كما أُحب تشبيهها.

أصبحت لا أركض وراء إنجازات خارجية، وأنا مهملة جزءً بداخلي سيساعدني على عيش كل ما هو في الخارج بحب واتزان أكثر، الداخل اُراعيه، اُوليه اهتماماتي، لأنه هو الذي سيترتب عليه الخارج.

هذا هو حالي وفطرتي أن استمتع وأروّق، أعيش بحال الدهشة والتجربة والاكتشاف، أعيش بمرونة، التفاصيل التي أعيشها وأنا في طريقي للنتيجة ستكون قيّمة بمقدار النتيجة تمامًا بل وأكثر، وكل ما في الخارج سيُشكل نفسه وفقًا لشعوري بالداخل، ووفقًا لما هو متاح أسعى به.

وأنها لفرصة عظيمة مجيء رمضان أثناء هذه الأحداث، فالأرض ساكنة، بالإضافة لطاقات النور والهدى والنفحات الرمضانية المباركة، فلا يوجد صلاة تراويح مثل كل عام، ولا يوجد ذهاب للعمل، ولا توجد زيارات عائلية -فطور وسحور- كما هي عادات رمضان الجميلة، وكأننا تلك الفترة مصطنعين فقط لله، فيكون كل تركيزنا مع أنفسنا ومعه وفقط.

تخيلوا أن معظمنا كان يريد أن يخلو بنفسه لبعضة أيام في رمضان، فجاء رمضان كله وأصبح شبه الخلوة معه، حالة السكن هي السائدة في رمضان المميز هذا العام، فلِما لا نستغلها ونشحن أكبر قدر ممكن من طاقاته المباركة النورانية؛ لنعيد توازن طاقتنا من جديد، فقد كنا طوال الوقت في تفاعلات مع العالم الخارجي، الآن التفاعل سيكون بيننا وبين أنفسنا وبين الله، بدون أي تشتت أو تشويش يحدث، علها تكون بداية هُدى، تفتح وتكشف لكِ الكثير، يُفتح باب مخصص لكِ أنتِ فقط، فما أحَبه لطبيعة أنفسنا وما أحَبه على الله أن نسكن به وإليه.

فأيًا كان ما يحدث خارجًا؛ إذا كنتي متزنة داخليًا فلن يقدر شيء على الإخلال بذلك الاتزان أبدًا، ثم بعد انتهاء هذه الفترة التي نمر بها، سيعود الجزء الحركي الذكوري لحياتك من جديد، ولكن حينها ستكون قوتِك وسلوكياتِك أنثوية متزنة، ومدركة بأن قيمتك أساسها الداخل، وما الخارج إلا إضافة تزيدك حبًا وشغفًا وجمالًا، ولن تستنفذي طاقتك فيما لا يستحق، وسيكفيكِ قوة وحبًا وجمالًا أنكِ خُلقتي بالفطرة أنثى، استغلي الحظر لتُغرمي بنفسكِ مثلما أنتِ.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫2 تعليقات

  1. رائع..
    مقال مميز من كاتبة تعي جيدا مفردات الأنوثة، وكيف تتواصل الأنثى مع نفسها بالفطرة، كيف تختطف فرصة سانحة قد لا تتكرر لتنفرد بنفسها، وتنعم بجميل طاقاته الأنثوية، التي هضمتها الحياة بثقل وضغوط لا مثيل لها، وقد يكون لا فرار منها أحيانا.
    رائعة أنتِ يا أسماء، وأنتِ تمزجين كل هذه الطاقات النورانية التي تملأ الأجواء حاليا في هذا الشهر الفضيل، وأنتِ تتخلصين من الظروف الحالة التي نمر بها، طاقات إيجابية ونورانية لتستفيد بها كل أنثى مع فطرتها القابلة لاستقبال واحتواء الكثير منها.
    تحياتي لقلمك المبدع الذي ينم عن فكر وروح أكثر جمالا 🌹🌹
    شيرين عمر
    ٢٨ إبريل ٢٠٢٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق