أسلوب حياة

ويسألونك عن يوم الحب؟

يسألونك عن اليوم الرابع عشر من هذا الشهر (فيفري) الذي اشتهر بين الناس والشباب خاصة بأنه اليوم السنوي للحب. لماذا لا تتكلم عنه وتحدثنا عن فضائله ومستحباته؟ وما ينبغي أن نكون عليه فيه؟ أم هو من المحظورات في ثقافتنا وأعرافنا؟ أم هو خاص بمجتمعات أخرى لا علاقة لنا بها؟ ولا ينبغي أن نروج لثقافتها وفلسفتها في الحياة؟

يسألونك عن يوم الحب؟

والحقيقة أقول: لو كنا نعيش في جزيرة معزولة عن العالم ما صح هذا الكلام. فمن حق أعيننا أن تتطلع إلى ما عند الآخرين من تجارب مجتمعية مفيدة في الحياة لنستفيد منها. وإن كان هناك ما هو سيء نحمد الله على ما عندنا من هدى ونور. كيف والعالم اليوم -وبفضل الوسائل الحديثة في التواصل يشبه القرية الصغيرة التي لا يخفى فيها شيء. إن لم يجد الناس ما يتحدثون عنه يختلقون أحلاما ومنامات يشغلون بها مجالسهم. فكيف إذا الكان الموضوع لا يكاد يختلف حوله اثنان.

وأكاد أجزم وأقول: إن الحب هو الموضوع الوحيد الدسم بين الموضوعات كلها. ما إن يطرق باب الأذن حتى ينتشي الوجدان ويتحسن المزاج ويهتز الجسم طربًا.

ذلك أن الحب هو سر الحياة والوجود، أودعه الله تعالى سائر الكائنات الحية بمختلف أجناسها وأزواجها، لتستمر في العطاء والتواجد والتكاثر والتفاعل خدمة لجنس واحد ووحيد هو أنت أيها الإنسان.

وأما الإنسان فهو أرقى المخلوقات وأكرمها عند الله تعالى، إن هو عرف نفسه وقيمته، وعرف هدفه ورسالته في هذه الحياة.

ولأجل ذلك أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.

وأما إن تنازل بمحض إرادته عن هذه المرتبة التي شرفه الله تعالى، وعن هاته الدرجة التي بوأه الله إياها، ورضي لنفسه أن يكون مثله مثل سائر المخلوقات العجماوات، يأكل ويشرب ويتمتع، وتسيره عواطفه وأهواؤه وغرائزه بدعوى الحب أو بأي دعوى غيرها. فقد أضل طريقه وأضل هدفه، وضل عن سواء السبيل وهو يحسب أنه يحسن صنعا.

وما موضوع الحب في ثقافة الإنسان الرسالي الذي أدرك غايته وعرف قدر نفسه، وآمن بالله ربا وبالإسلام دينا شاملا للحياة كلها وبأوسع معانيها. ما هو إلا فقرة من قصة، أو فصل من كتاب، ينبغي أن يقرأ كله ويؤخذ كله، وإلا لم يفهم الكتاب ولن يستفيد منه. ويكون متجنيًا ومتحاملاً إن حكم على الكتاب كله من خلال فصل واحد أو موضوع واحد فيه.

وبعض الناس المعادين للكتاب جملة وتفصيلا، والمنبهرين بالثقافة الغربية خصوصًا، والذين يدوسون عن خصوصية كل مجتمع. يريدون حرق الكتاب أو تعطيله وتزهيد الناس فيه من خلال هذا الموضوع موضوع الحب.

فيقولون عن الإسلام: إنه كتاب يحرم الحب والعلاقات العاطفية والحميمية بين الجنسين. وأنه دين يكبت الحريات الشخصية ويظلم المرأة في أعز ما تملك في أنوثتها وجمالها. وغير ذلك من الافتراءات والشبهات التي تثار بمناسبة وغير مناسبة.

وهكذا أصبح الإسلام الدين الوحيد المتهم بين الأديان كلها، وأصبح يدافع عن نفسه في قضايا يعلم الجميع أنه بريء منها.

وعند التدقيق والتفصيل نجد أن نظرة الإسلام للحب -هذه العاطفة المغروزة في قلب كل كائن حي- هي النظرة المنسجمة مع الكون ومع الحياة المرادة لهذا المخلوق المكرم فوق هذا الكويكب الترابي في هذه الفترة القصيرة والمحدودة.

فالمسلم قبل أن يكون مسلمًا مؤمنًا هو إنسان له قلب وعوطف وأحاسيس ومشاعر، ومن حقه أن يحب، ومن حقه أن يتمتع بالحلال والطيبات التي أنزلها الله. ومن حقه أن يبحث عن شريك يتبادل معه هذه العاطفة الجياشة ويقاسمه همومه وآماله وطموحاته،

لكن بعيدًا عن لحظات الضعف التي يمكن أن يتسلل منها إبليس اللعين فتصبح وصمة عار في هذه العلاقة السامية.

وليس هناك سياج يصون هذه العاطفة ويرتقي بها إلى رتبة القداسة ويحفظ الحقوق ويعين على أداء واجبات الحياة، إلا الزواج الذي هو أوثق العقود، والذي يجمع بين رجل وامرأة، أو شاب وفتاة ينشدان السعادة في هذه الحياة وأعينهما تتطلع إلى الحياة الأسعد في جوار المصطفى “صلى الله عليه وسلم” في جنات النعيم حين يلقيان الله تعالى راضيا عنهما.

وأما ما عدا ذلك من علاقات حميمية أو عاطفية بعيدة عن هذا السياج لا تعدو أن تكون استغلال طرف لآخر-سواء شاب ماكر يستغل فتاة ساذجة. أو فتاة ماكرة تستدرج فتى مقهورا. من أجل قضاء شهوة عابرة، أو التنفيس عن نزوة محتبسه. سرعان ما ينجر عنها عواقب وخيمة على النفس وعلى المجتمع.

ومن هنا أربأ بشبابنا الواعي أن ينجر وراء دعاوى باطلة تحت مسميات براقة ظاهرهًا يوحي بالرحمة وباطنها من قبلها العذاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى