مدونات

ويسألونك عن الرحمة!

في أحد الأحياء الراقية، في الثانية ظهرا، والسماء تملأها الغيوم، بدا أنَّها على وشك أن تمطر. كان المشهد هكذا تماما.

المشهد الأول:

طعام ملقى على الأرصفة في الشارع. هي ليست بقايا، بل طعام مجفف فاخر ينتظر من يتناوله، أو لا يتناوله فهو زائد عن الحاجة.

المشهد الثاني:

رجل خمسيني، نحيف البنيان، هزيل، رثّ الثياب. يرتدي جلباب كان أبيض اللون يوما، لولا أن التراب والمطر لم يتركاه على حاله. رداءه خفيف ممزق فرَّت منه الأزرار هاربة. لم تتحمل البؤس والشقاء. أشعث الشعر، يكسوه الغبار من رأسه حتى أخمص قدميه. يجلس على نفس الرصيف دوما، يضع بجواره رغيف خبز مقدد، مشبع بكميات لا بأس بها من التراب، يكسر لقمتي خبز، يضع إحداهما في فمه ويلقي بالأخرى بعيدا، ولا أعلم تحديدا لماذا.

هل هذا ما يتمنى أن يفعله أحد المارة معه ويفعله لا إراديا.. لا أظن أنه بالوعي الكافي الذي يجعله يتصنعها للإشارة لشيء معين.

لم يأكل أيا من الطعام الذي ملأ الأرصفة!. لأنه للأسف طعام قطط وكلاب من النوع الفاخر، لا أعلم، ربما معدته لا تحتمل مثل هذا الترف، بعدما تعودت على الخبز الملقى في القمامة، أم لأنه إنسان ولا يناسبه هذا النوع من الطعام!

المشهد الثالث:

الكثير من المطاعم والكافيهات الشهيرة حوله، الكثير من المارة في الشارع، وأنا منهم، لا يلتفت إليه أحد. فقط تأملت المشهد لدقائق، وتساءلت لما لا يهتم أي من هذه المطاعم أو البنايات الفاخرة بتقديم وجبة ساخنة له؟ أو أحد الكافيهات بتقديم مشروب دافئ؟!

يخرج الباشا في كامل أناقته تفوح منه روائح عطرة يسير برشاقة ناظرا لأقرانه باستعلاء، لقد فتح الله عليه بما لم يفتح به عليهم. وهم ينظرون إليه بحسد وغلّ. هوهوهوهو، نعم.. إنه كلب ابن أصول، تحقد عليه الكلاب لما  “أنعم الله به عليه” فقد فتح عينيه على الدنيا ليجد أبويه من سلالة جيدة ومفضلة لدى محبي تربية الكلاب.

أنا لست ضد الرفق بالحيوان، وأعلم أن امرأة دخلت النار بسبب هرة، ورجل دخل الجنة بسبب كلب. لكن “لابد من الجمع  بين الرحمتين”.. هذا الشخص يستحق الرحمة، بطانية ووجبة ساخنة علي الأقل في هذا البرد القارس، فهو “مازال إنسانا”.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق