علوم وصحة

وهم الغاية: تطور الدماغ البشري ليعتقد أن لكل شيء سبب

قبل نحو مليوني سنة من الآن، وفي شرق إفريقيا، أبصرت تطورات بيولوجية جديدة النور، استحدثت ما أطلق عليه وهم الغاية التي تحكم على الطبيعة بمنطق إنساني؛ فلأول مرة في التاريخ الطبيعي المعروف تمكنت إحدى الكائنات من ابتكار أدوات حجرية، وهي عبارة عن مطارق وقواطع من حجر الصوان. ترافق ذلك مع تطورات عضوية رئيسية، مثل تطور الطفولة المديدة لدى الرئيسيات البشرية، وظهور الناتئ الإبري في السنعية الثالثة للكف ما أتاح تحكمًا أفضل ومرونة للقبضة البشرية، والدماغ المتنامي الذي سيغير تاريخ الأرض إلى الأبد.

إن التطور ينشئ دائرة تغذية راجعة وحلقات تدعم بعضها، ففي الفترة نفسها تقريبًا نلاحظ ظهور ما يشبه اللغة، والأدوات والتمثيل الذهني للنماذج الخارجية وهي أسباب ونتائج لتطور الدماغ البشري. خلال المليوني سنة الآخيرتين لم يشهد تاريخ الحياة تطور عضو معقد بتسارع مثلما حدث مع الدماغ البشري، وإليك الملاحظات التالية:

1- حجم دماغ الإنسان الصانع (ظهر قبل 2.3 مليون سنة) 700 سم3.

2- حجم دماغ الإنسان المنتصب القامة (ظهر قبل 1.9 مليون سنة) 900-1000 سم3.

3- حجم دماغ إنسان هايدلبرغ (ظهر قبل 600 ألف سنة) 1200-1400 سم3.

3- حجم دماغ الإنسان العاقل (ظهر قبل 300 ألف سنة) 1500-1700 سم3.

استطاع هذا العضو المعقد الذي نحته الانتقاء الطبيعي على مدى مليوني عام من الضغوط التطورية أن ينتج الثقافة والتكنولوجيا بدءًا من الأدوات وصولًا إلى المايكروسكوب والتيلسكوب، ومن هنا ظهر وهم الغاية والذي يعني أن صنع الإنسان للأدوات كرس مبدأ الغائية لدى أسلافنا الأوائل، فقد تطور الدماغ ليعتقد بأنه لكل شيء غاية وسبب. ويتلخص هذا المبدأ في إسقاط ما هو إنساني على الطبيعة، فاعتقد الإنسان أنه وراء كل صنعة صانع عاقل. في القرن 18 قام ويليام بالي بتأليف كتابه “رسالة في اللاهوت الطبيعي” الذي بدأ بفقرة مشهورة:

لنفترض أنني أثناء عبور مرج حطت قدمي على قطعة حجر، وسُئِلت كيف وصل الحجر إلى هناك، لعلي أجيب بأنه ما لم أعلم بعكس ذلك فإنه يقبع هناك منذ الأبد.. لكن لنفترض أني وجدت ساعة، فلا أكاد أظن أني سأفكر في إجابتي السابقة.

وبالي يفرق هنا بين الأشياء الطبيعية كالحجارة، والأشياء المصممة كالساعات. ويواصل نقاشه عن تعقيد الساعة حتى يستنتج أنه لابد لها من صانع وغاية صُنعت لأجلها، طبقًا لما اصطُلِح على تسميته وهم الغاية ومن ثم يسقط ذلك على أعمال الطبيعة وماكينة الحياة، بادئًا بالعين البشرية. لكن نحن نعلم اليوم أن هذا التمثيل زائف، وذلك بعد ظهور نظرية تشارلز داروين وألفريد راسل والاس.

هناك تطابق بين الكاميرا والعين البشرية. لكن الكاميرا مصممة لغرض ما، أما العين فهي ظاهرية التصميم، إنها نتاج التطور بالانتقاء الطبيعي على مدى أزمان طويلة. هذه العملية معممة على جميع أشكال الحياة.

التغييرات العشوائية والانتقاء الطبيعي الغير عشوائي قادرين على إيجاد تنوع مدهش وتعقيد بالغ وذلك عبر أحقاب زمنية طويلة من خلال غربلة السمات التكيفية الناجعة. إن قوانين الطبيعة كفيلة بخلق الجمال والإبداع والغايات والتصاميم الظاهرية.

اقرأ أيضًا: كيف سيبدو البشر بعد مليون سنة؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق