سياسة وتاريخ

وهم الديمقراطية؛ هل ستصبح كلمة بدون معنى؟

وهم الديمقراطية.. هل ستصبح كلمة بدون معنى؟

طالما رُوِج للديمقراطية على أنها النموذج الأسمى للسلام والتعايش بين المتناقضات، إلا أن مفهوم الديمقراطية غامض ينتابه مجموعة من الشكوك في حد تعبير ببرنارد كريك “إن الديمقراطية هي أكثر الكلمات اضطرابًا وغموضًا فهي مصطلح قد يعني شيئًا بالنسبة لكل شخص بحيث تكون هناك خطورة بأن تصبح الديمقراطية كلمة بدون معنى”.

بعد سقوط جدار برلين وبرز نظام الدولي الجديد بدأت الدعوة إلى انتهاج وتطبيق الديمقراطية في كافة الدول خاصة العربية والإسلامية. حيث كانت تطبيق الديمقراطية من أجندات السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الأب والابن، بل من أولى مسؤولياتها في دمقرطة العالم. إلا أن الديمقراطية هو نظام وهمي مثالي لا وجود له في أرض الواقع، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي وتنادي بالديمقراطية لا تمارسها، بل جعلته شعار رنان وذريعة لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى العسكرية،عبر ترويجها لأفكار الديمقراطية الوهمية ومحاولة مسخ كل التقاليد والأعراف والهويات التي تعارض مصالحها وتهدد كيانها.

ومن أبرز الأمثلة والبراهين التي نحاجج بها بأن الديمقراطية – وهم الديموقراطية – لا مكان لها في الواقع التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان من خلال تساؤلنا ما محل الشعب من إقرار هذه الديمقراطية؟ وهذا إذا اعتبرنا أن من مبادئ الديمقراطية الكلمة للشعب لا سواه. وكيف لنظام يدعو إلى الحفاظ على الأمن والسلام أن يساهم في نشوب الفوضى والخراب ولا أمن.

إلا أن الأنظمة العربية لم تستق الحكمة من التدخل في أفغانستان والعراق بأن الدول الغربية لم تكن لتريد الخير لبلادهم وإنما خرابها، وانساقت في منحى الربيع العربي وما هُندس وخُطط له الغرب منذ سنوات. وهذا نتيجة للفهم الخاطئ للديمقراطية والسعي لاستيرادها وتطبيقها دون تكييفه مع البيئة العربية، والحفاظ على ثوابت الأمة الإسلامية، وإنما استلمت لرغبات الدول الإمبريالية الغربية ولو على حساب الشرف، والوطن، والشعب.

ومن بين الحجج أيضًا التي نجادل بها بـ وهم الديمقراطية كيف يعقل لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية لديها حزبان سياسيان تنافسان على السلطة كل أربع سنوات، وأن تغير الرؤساء لا يتم بإرادة المنتخبين فقط وإنما لإرادة قوى خفية تقوم باختيار الرئيس بما يتماشى مع مصالحها في تلك الفترة. بينما هناك حروب نشبت، واروأح زُهقت، ودماء سفكت تحت شعار الديمقراطية في دول أنعتها بالغبية تنصاغ إلى كل ما هو غربي دون نقده، أو البحث في أصل أهداف وجوده.

فهل يستفيق العرب من وهم الديمقراطية؟

    يبدو أن النموذج الغربي للديمقراطية في تدهور مستمر، خاصة بعد الأحداث الأخيرة في العالم الغربي خاصة في دول مثل باريس ذات المستوى الأعلى للديمقراطية التي وضعت في خانة واحدة مع السودان وهايتي وفنزويلا، وهذا بسبب استخدام القوة المفرطة لاحتجاجات السترات الصفراء، فهناك أكثر من 100 اتهام بأعمال عنف للشرطة واستخدام الرصاص المطاطي ضد المحتجين.

والآن انتهاك القانون والطعن في شرعية ونزاهة انتخابات أكبر دولة في العالم. والتي تمثل أكبر إساءة للديمقراطية الأمريكية التي يعتبرها العالم نموذجًا يحتذي به. وهذا ما عبرت عنه صحيفة الجارديان البريطانية في مقال لها بعنوان “فوضى الانتخابات الأمريكية نعمة لأعداء الديمقراطية في جميع أنحاء العالم”.

ومنه إن الديمقراطية ليس إلا بمصطلح يستخدمه الغرب لتحقيق مصالحه وليست سر تفوق ونجاح الغرب. والمسمى الحقيقي الذي يجب أن نسميه هو وهم الديموقراطية؛ فيجب على الدول العربية والإسلامية أن تستفيق من غفلتها وسعيها وراء سراب النظام الديمقراطي. وإعادة تمسكها بثوابتها ومبادئها لمواجهة الغرب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سلمى جيلي

باحثة في العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى