ريادة أعمال وإدارة

وهم الأمان الوظيفي

لقد تعودنا على مقولة الأمان الوظيفي منذ نعومة أظافرنا، حيث يتم تداول هذه المقولة كثيرًا عندما كان الآباء يرغبون في تحفيزنا لتحصيل أعلى الدرجات في اختباراتنا المدرسية والجامعية، إلا أننا لم نكن نتوقف قليلًا لنفكر في هذه المقولة ومدى دقتها وصحتها.

أولًا إن فكرة الأمان في حد ذاتها لا يمكن أن ترتبط بأشياء قابلة للتغير، وبالتالي كل ما حولنا من أشخاص وأشياء هم من المتغيرين، بمعنى أنهم كأشخاص أو أشياء قابلين للتغير، ولا يمكن أن يستمروا على وتيرة واحدة، فقد نرى صديق اليوم عدو الغد، وقد نرى الأهل قد فارقونا، وقد تتقلب صحتنا وقوتنا، وقد تنقص أو تزيد أموالنا، وبالتالي كل ما في هذه الحياة يتغير من حين إلى آخر، والاطمئنان لهذه المتغيرات يكون بمثابة الثقة في أن يحتفظ الغربال بالمياه، وهذا ما لا يتصوره عقل، إلا أن ذلك لا يدعوا إلى الحزن والتشاؤم؛ لأنك ستبحث -حينما تتيقن من أن كل الأشياء تتغير- عن شيء يبعث الأمان في نفسك، فيحملها على تقبل التغيير المستمر بنفس راضية، وبالتالي ستقبل على الخالق الذي لا يتغير لأنه الأبقى بصفاته وجلاله وكماله وجماله، وهذا الإقبال في حد ذاته أمان للنفس البشرية، وإيمانًا منها بأن الدنيا بطبيعتها متغيرة لتغير الأشخاص والأشياء عليها.

لقد كانت ولا زالت السياسات المتبعة في العملية التعليمية في وطننا العربي سياسات عاجزة، قاصرة عن استيعاب مفهوم المال والاقتصاد والعمل والإنتاج، وبالتالي الأمان الوظيفي فقد أفرزت لنا العملية التعليمية شباب كهول، لا يعرفون عن المال والعمل إلا الوظيفة التي يتدافعون نحوها في صراع عنيف ومخيف، لم يكن للعملية التعليمية أي دور يذكر نحو إيجاد العقليات الاقتصادية المبدعة، التي تستطيع أن تحقق الخير لها ولمجتمعها، بل عملت السياسات التعليمية على تحجيم العقل الاقتصادي المتفتح الذي يدرك الثوابت الاقتصادية، ويستطيع التعامل مع المتغيرات المستمرة في بيئة الأعمال، وبالتالي تفقد الأمة العربية عقول أبناءها؛ نظرًا لأنهم أصبحوا كمسخ مبرمجٍ على الأداء الوظيفي كموظفٍ فقط، ولكنهم لا يملكون عقلًا مفكرًا يعرف قواعد التجارة والاقتصاد وتحقيق الأرباح باستغلال الموارد المتاحة.

لذلك لعلنا ندرك الآن أننا في مشكلة كبيرة، ونحيا في ظل وهم يعرف بوهم الأمان الوظيفي، حيث أن الوظيفة في حد ذاتها لا تعني الأمان، لأنها من المتغيرات التي لا تتسم بالثبات، كما أنها تتطلب العديد من المنافسة وبذل الجهد لبلوغ الدرجة التي ترغب فيها، ولن نجد بيئة العمل المسالمة، بل ستجد فيها المنغصات والمكدرات، لذلك العمل الحقيقي الذي ستشعر فيه بالأمان هو عملك الخاص بك، العمل النابع من عقلك وشعورك، العمل الصالح النافع لك في الحياة وفي الآخرة.

وبالتالي وجب عليك أن تسعى جاهدًا لاكتساب عقلية اقتصادية حرة، لتتمتع بالأمان الحقيقي بغض النظر عن الأمان الوظيفي ولتمتلك حرية القرار والاختيار، تدرك أهمية المال وقواعد استغلاله الاستغلال الأمثل للصالح العام والخاص، وإن كنت موظفًا لدى أي من القطاعات سواء العامة أو الخاصة، فيجب عليك ألا تتوقف عند حد هذه الوظيفة، ولكنه ينبغي عليك أن تعمل قدر استطاعتك لتحقيق التحرر والاستقلال المالي.

 

قد يهمك أيضًا : أزمة البطالة المقنّعة: ظاهرةٌ تتفشى في العالم العربي ولا حلول في الأفق

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق