مدونات

ومضى عهد النوم.. إن هي إلا حياتنا الدنيا

ثقيلة تلك المهمة، مهمة العبادة، تعبد البشر لله لو كانوا لا يعبدون أحد وتتضاعف في الثقل لو كانت لهم تألهات باطلة، للهوى أو للبشر، وربما لحيوان أو لحجر أو مخلوق من جيش المفاليس، أيًا ماكان وأين.

لذا ما إن نزلت رسالة التكليف بالبلاغ للنبي يا أيها المدثر: تخلّ عن دثارك وقم فمهمة الدعوة قد حانت، كان أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة قد مضى عهد النوم ياخديجة! ودَّعنا الراحة في الدنيا، وعزمت شمسها على المغيب، لحين الشروق القادم في الجنة حيث لانصب فيها ولا هموم، ولا كد ولا رهق، بل منابر من نور وأسرة وحور، وأكواب تدور، ونمارق ومفارش ولكن دونها مفاوز ومعارك بسيف وسنان، وأخرى بكلم ولسان، مضى عهد النوم قالها النبيُ صلى الله عليه وسلم ووفى، ومضى.

ثم أتى رجالٌ ونساءٌ مشوا على الدرب وما تدثروا بنوم جسدٍ إلا لمامًا والقلب يقظان والعزم متقد، فهذا عمر بن الخطاب اشتهر عنه أنه كان لا ينام إلا هجعة في الضحى وكان يقول لو نمت بالليل ضيعت نفسى ولو نمت بالنهار ضيعت رعيتي. ومثله كثير من السلف، هجروا النوم وأرَّقهم حمل المهمة، ثم تسلمها جيل بعد جيل فمنهم من أجاد ووفّى وأدّى حق الله كما يجب، ومنهم من حملها على وهن لكنه على الأقل حاول.

ومنهم من مات دونها ومنهم من لم تكن تخطر له على بال، ملأ النوم أيامه ولياليه، وسار في الدنيا لا هدف له سوى بطن وفرج ومتع لا حظ فيها من الإمتاع إلا مسماها الزائف.

وأي متعة من خلفها حساب وعذاب لكننا غافلون وربما مغفّلون (ذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) ياله من تهديد. تسلّم جيلنا مهمة العبادة، فهل قلنا مضى عهد النوم وهل أرقتنا يا أيها المدثر قم؟ وليت دثارنا يغطي أبداننا فهذا نفضه سهل، إنما الخيبة أن ينادي علينا: قم، والدثار علي الآذان وعلى الفؤاد أيضًا، فوقتها يصعب سمع نداء قم فأنذر. ياربنا خذ بأيدينا إليك واجعلنا ممن سمع فأجاب وأطاع وما ركن لدثار، بل نهض وسار، فمضي على خطى الحبيب. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى