سياسة و تاريخ

وللجبال اسم هو “الشعب الجزائري”

بالرغم من قسوة الشتاء وتمرّده حتى على نفسه إلا أنه يظل وفيًا لابتسامته، وحتى برده دفئ تزهر فيه ورود ” البانسي” التي هي نوع من زهور البنفسج التي تتفتح لفترة طويلة من الزمن، فهي لا تنتظر بهجة الربيع لتزهر، بل تحتضن الشتاء لتكون يانعة متألقة، متأنقة، ولها في رونقها وبهجتها ما يشبه سيكولوجية الشعب الجزائري في مواجهة الصعاب، ورسم بسمة الجمال على شفاه الطبيعة رغم مزاجيتها وانهيارها الجنوني على فصولها.

الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان هي دراسة البشر وسلوك الإنسان فيما يخص المجتمعات الماضية والحاضرة. وإن البحث الأنثروبولوجي الذي بطبيعته يعتمد على الملاحظة بالمشاركة فيما يخص الثقافة والشخصية فهو يرى أن أفراد مجتمع الجزائر هم حديثو الاستقلال، بحيث لا يزال شبح الاستعمار صوب أعينهم مما يجعلهم يتهيبون من أي شخص أجنبي يحاول الاختلاط بهم لمعرفة أي شيء عنهم، فسمات الشخصية فيهم لها نكهة خاصة ومميزة.

فالثقافة هي المسئولة الأولى عن تحديد الشخصية القومية في أي مجتمع، وطالما أن المجتمع الجزائري لم يعرف ثقافة واحدة بل عدة ثقافات من حقبات زمنية مختلفة التي منها القرطاجية، الرومانية والمملكات النوميدية إلى الحكم الإسلامي بوصول العرب وغزوة عقبة بن نافع عام647م، لتأتي بعدها مرحلة السيطرة العثمانية إلى حقبة الاستعمار الفرنسي جعل منه مزيجًا من عقليات مختلفة تجعلها استيعاب الكل متعايشة وتستطيع التكيف بسهولة في أي مكان آخر.

وهذه الفترة التدميرية لفرنسا في الجزائر جعلت العالم يقرّ بتميز هذا الشعب العنيد الغيور على حرمة أمّه الجزائر، الذي لا يستسلم ولا يكن، الذي له القدرة على إرغام المستحيل أن يكون حقيقة، وأن يُروّض الحرب لكي تكون حب وسلام، فيصنع حريته بإدهاش الجميع ويرفع مستوى التحدي إلى ذروته لكي نكون أو لا نكون بانطلاق أول رصاصة في جبال الأوراس.
مرحلة قيل فيها إذا لم نعش بحرية وكرامة فما عشنا وما عاش الوطن، وبالفعل ما عاش الكثير لنحيا نحن، وما سلم بيت جزائري من شهيد فالبيوت بمسك الشهادة تعطّرت، وبشهدائها تفتخر وبالوطن تحيا وتموت.

وإذا كانت الشعوب تتنفس الحرية فالشعب الجزائري تنفس الموت ليجلب لكرامة وطنه الحياة، ليبدأ مرحلة جديدة اسمها الجزائر المستقلة بتاريخ 20 سبتمبر 1962م، مرحلة تلتها تغييرات وانقلابات، ولكنها سرعان ما أرجعت الشعب لذكريات دموية لم ينسَها بعد عشرية سوداء في التسعينيات سمحت بفتح نوافذ كوابيس الموت لتُغتصب الحياة، وترسم الدماء ملامح الخوف على تجاعيد الأرض التي ثملت أوجاع وآلام هذا الشعب الصامد.

قاوم الشعب الجزائري وتحدى وضاعف التحدي بإرادة عالية ليتصدّى للمحن في ظل خذلان كل الإعلام العربي. فسجل صمودًا لا يحتاج لا لإعلام يظهره بقدر ما أغلق فاه التشويهات بجملة ”وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا” فاستمع الجميع، وسجّل التّاريخ.

حين نتكلم عن الشعب الجزائري علينا أن نقف وقفة احترام وتقدير؛ لأنه شعب ولد من المحن؛ شعب تشرب من الويلات بما يكفي وتغذى من ثقافات متعددة لتكسبه عقلية سياسية تعرف جيدًا ما تريد ومتى تطلبه ومتى تتغاضى عنه؛ تجاربه التاريخية أكسبته حنكة ووطنية تزداد التهابًا وتحرق كل من اقترب من الوطن. إنه ذلك الشعب الحر الذي يدهشك بردة فعله المفاجئة التي لا تتخيلها؛ لأنه متميز متكاتف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، ومهما كان هناك اختلاف في وجهات النظر بين الأفراد فالمصائب والشدائد تلم شملهم؛ شعب يعرف كيف ينجو من الأزمات بدبلوماسيته المحنكة لأن أسود الجزائر وحرائر الجزائر من جبل.. ومن قال أن الجبال لا تلتقي.. بل تلتقي في قوتها ولا تنحني.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سيلا

الكتابة هي راحة أولئك الذين لا يجيدون الصراخ ... لذلك أنا كاتبة بالفطرة وصحفية من مواليد 1985 متحصلة على ليسانس ادب فرنسي وديبلوم تقني إعلام آلي وتجارب متعددة في التصوير والتنشيط والتدريس و و
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق