مدونات

ولعلك زرعت نفسك بغير أرضك فذبلت

عندما تصبح نقطة ضعفك هي مقدار حبك لأحدهم.. وتأخذك الأقدار لتسكن في مكان ما وتصبح جزءًا منه ويصبح جزءًا منك، وتعيشه بكل ما فيه وتحاول التأقلم قدر ما تستطيع، ولكنك تجد نفسك محاطًا بقدر كبير من الوهم والفراغ ولا تستطيع الخروج منه ولا أن تخرجه من حياتك.. تلك هي أقسى التحديات!!

بالرغم من أنك جزء منهم وهم جزء من حياتك شئت أم أبيت إلا أنهم جعلوك غريبًا جدًا عنهم وعدت أنت لا تعرف نفسك وكأنك ولدت من جديد في عالم آخر بالرغم من أنكم تقطنون في نفس المكان و تتقاسمون أنصاف الاشياء إلا أن هناك شيئًا من الفراغ والغرابة يطغى عليكم.

عندما يصبح عنوانك في الحياة المسامحة والتغاضي من أجل الاستمرار لعلمهم بأنك ضعيف وهش من الداخل بالرغم من أنك كنت قوي لأنك أحببتهم يومًا وأوكلتهم حياتك.. ولم يكن يومًا ضعفًا وإنما غض الطرف في بعض الأحيان يكون متعمدًا وعن قوة من أجل بقاء الود، ولإبقاء صورة من أحببتهم يومًا بيضاء في قلبك..

ولكن عندما تكون (الأنا العليا) والأنانية هي طبع من طباعهم فلن يتقبلوا يومًا مهما حاولت جاهدًا أن يضعوا أنفسهم في مكانك ليروا حجم العناء وما حل بقلوبنا نتيجة أفعالهم وتكرارها مرارًا.. دائمًا يحاولون الوصول لما تملي عليهم أنفسهم دون التفكير بحجم التأثير السلبي عليك وعلى قلبك وعلى مكانتهم أيضًا.. يأخذونا لغير عالمنا ويخرجونا عن واقع الإرادة والسيطرة على قلوبنا وأنفسنا لأنهم يعتقدون بأن ضعفنا تجاههم سيمنحهم قوة وشجاعة ليفعلوا ما يريدون، وأن هناك مساحات شاسعة يمتلكونا منها ليفعلون ما أرادوا بنا.. وأننا ولو بعد حين سنقبل بالأمر الواقع، ليس فقط لضعفنا تجاههم بل وأيضًا لأننا نريد أن تستمر حياتنا معهم وبهم، ومهما حاولنا أن نبقي مساحات الوصل بيننا وبينهم بيضاء حاولوا قدر الإمكان تلوينها بالأسود.

أن يكون عطاؤك  من القلب من أجل الحب.. وأن يكون عطاؤك لأجل رفع العتب أو الواجب.. وشتّان بين هذا وذاك!! الخسارات الصغيرة الآن ستصبح كبيرة عندما نفيق من غفلتنا ونعود أدراجنا دون كلمة عتاب.. فعندما يستفيق القلب من غفلته لن يعود أبدًا كما كان.

عندما تسامحهم كثيرًا وتعلم في صميم قلبك بأن الصفعات الأخرى ستكون أقوى، تلك قدرة إلهية من الله في قلبك لتبقيك قادرًا على التحمل!!

ونعيد نظرتنا إليهم من جديد كسابق عهدهم عندما كانت صورهم هي الأبهى والأجمل في حياتنا، نقية صافية تخلو من الألوان والرتوش، ولكن كيف ستستمر تلك الصورة أمام عينيك وفي قلبك وأنت في كل مرة تسامح تعود وتجر أذيال الخيبة من صدمة أخرى لم تكن في حسبانك ولو توقعت ذلك.. لم يكن خيارنا يومًا هو الرحيل، ولم يكن خيارنا يومًا أن نتجاوز كل الصدمات بقرار موجع وحازم، بل كان خيارهم هم أن ينقلونا من عالم الود والحب إلى عالم لم يشبهنا يومًا ولم يكن خيارنا أن نستقوى على قلوبنا ونوصدها..

نفسيًا وعلميًا نحن نحب ولكن لا نستطيع تحديد مكانة الأشخاص في قلوبنا، بل أفعالهم هي من تتولى ذلك!!

عندما يأتي ذلك اليوم الذي ينتظرون فيه أن نتجاوز عن فعل من أفعالهم، أو عندما يأتي اليوم الذي علينا فيه تقبل أعذار واهية لإهمالهم، وعندما يأتي اليوم الذي ينتظرون فيه منا أن نقابلهم بالود والإحسان ولا نستطيع، أو عندما يأتي اليوم الذي نكون فيه في المكان الذي لن يبقي في قلوبنا شيئًا لنتذكرهم به إلا وجع وذكرى مضت ويصبحون غريبين تمامًا عنا..

عندما يكون المكان ليس مكانك والزمان ليس زمانك والأشياء من حولك لا تشبهك، عندها فقط ارحل بصمت.

فقط عندها سيدركون حجم تلك المعاناة التي مررنا بها، وسيخالط شعورهم شيئًا من الندم، ليس على أفعالهم وإنما على من ستمارس ضغوطهم وأنانيتهم.. هذا المكان الذي سنصبح فيه هو من قاتلنا لأجله سنوات فائتة لأجل ألا نصل إليه.. ولكن القدرة على التسامح والعطاء قد تضاءلت في كل مرة قررنا فيها التغاضي إلى أن تلاشت.. لا شيء يكبر مع الإهمال حتى تلك الصبارية الصغيرة المركونة على إحدى الرفوف إن لم تر النور وترتوي بالماء كل يوم ستجف حالها حال قلوبنا المتعطشة!!

فنحن ومهما حاولنا لإبقاء الود والحب فلن نستطيع، فحتى الحب مع الإهمال يفقد رونقه وطعمه ولونه، ويصبح باهتًا.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نازك العمري

كاتبة ومدونة من الاردن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق