مدونات

وقفة عند فاتحة الكتاب

يظل الخير في الإنسان ما دام متصلًا بالله – سبحانه – ، فبقدر قربك واتصالك بالله تكون سعادتك وراحة بالك ، أما إن طال بك البعد عن رحاب الله وقرآنه وذكره تلقفتك الدنيا بأهوائها وشياطينها تلعب بك لعب الصبيان بالكرة ، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ” مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت ” ، والمسلم العاقل من يجعل لنفسه من نفسه رباطًا يربطه بالله وبرحاب ذكره حتى وإن كان عاصيًا ومقصرًا ، في الحديث عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سنَّتي، فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلِكَ فقد هلَكَ ” ، ولذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله – ” وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ “.

وأعظم الذكر قراءة القرآن ومدارسته ، في الحديث عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: ” ومَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، ويتَدَارسُونَه بيْنَهُم، إِلاَّ نَزَلتْ علَيهم السَّكِينَة، وغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَحَفَّتْهُم الملائِكَةُ، وذَكَرهُمْ اللَّه فيِمنْ عِنده ” – رواه مسلم – .

وكتاب الله – عز وجل – هو الوحي الخاتم للأرض ومن عليها ، ولذا فهو يحمل في طياته كل ما تحتاجه البسيطة على مر العصور وتعاقبها ، فتشعر به متجددًا على الدوام ، عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: ” إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ” ، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم “.

وفاتحة الكتاب في صدر القرآن عنوانٌ لكل معاني الشمول عند المسلم في معارفه ووجدانه وسلوكه وكل أمره ، فهي السبع المثاني التي امتن الله بها على نبي الإسلام وأمته ” وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ ” ، ففي رحابها تتلمس رحمات الله ومعيته عيانًا لا خيالًا ، فيها عقيدة المؤمن في ربه وفي كتبه وشرعه وآخرته.

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
مفتاح البدء الذي لا تعوقه عوائق ولا يغالبه شيطان ، فبعيدًا عن الخوض في سجالات الحكم والفتوى عن البسملة إن كانت آية من الفاتحة أم لا ، وللمريد في ذلك أن يرجع إلى كلام العلماء الباحثين ، شعورٌ بالعظمة وأنت تستفتح كل أمرك وتعالجه باسم من يملك الأمور ويسيرها ، إنك لا تحمل في جيبك كارت واسطة أو توصية مسئول ، بل تحمل في قلبك يقينًا برب الأرباب وملك الأسباب ، يقينًا تستفتح به سعيك وعملك ، تتترس وتتحصن باسم الملك الذي لا ملك لأحد معه ، بسم الله الذي تنفتح له الأبواب الموصدة وتنهار أمامه الجبال العاتية ، الرحمن الذي يملك الرحمة ، الرحيم المنعم على خلقه برحمته ، فبسم الله الرحمن الرحيم وبتكليف منه – سبحانه – أستفتح أمري كله – عسره ويسره – ، ومن اللطائف الجميلة أن الله – سبحانه – وَجَهَ نبيه – صلى الله عليه وسلم – لهذا المعنى حين كلفه بالرسالة وهي أثقل تكليف وأعظم مهمة يتحملها مخلوق ، فقال – سبحانه – في صدر الوحي ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ …… ” ، اقرأ يا محمد واستفتح أمرك بسم ربك الذي خلق ، نعم إن الأمر عسير وشاق ، ولكن هل تراه أشق وأصعب من خلق الله للأكوان ابتداءًا ، اقرأ واصدع بأمرك في الخلائق واستعن في ذلك بصاحب القدرة الذي خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ، هيا يا صاحب الهم انهض واستعن بالله على مهامك وتكاليفك فإنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ
الحمد كله مقصور لصاحبه ، فهذا أسلوب قصرٍ في أوضح صورة وأحق موضع ، فمن ذا الذي يشارك الله – سبحانه – في استحقاق الحمد ، إن الحمد كله لا يليق إلا بالله ولا ينبغي لأحد سواه ، فهو الرب الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ، رب الثقلين ، رب الأكوان والأفلاك ، رب الطبيعة والمادة ، رب البحار واليابسة ، رب الأبدان ورب الأرواح رب العالمين ، له الحمد وحده ، حمدًا يليق بربوبيته وعظمته وقدرته وملكه ، حمدًا يوازي نعمه وعطاياه ، حمدًا على ستره ووقايته وتدبيره ، حمدًا مكنونًا بحب الله المنعم واسع الفضل والإحسان ، حمدًا لربٍ نتذلل إليه بعبوديتنا له حبًا لا إكراهًا ، حمدًا نستجلب به رضوانه ودوام رحمته ، حمدًا لله حق حمده ” فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ “.

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الرحمن هو ذو الرحمة ومالكها ، والرحيم هو منزل الرحمات على خلقه وراحمهم ، فمن ذا الذي يرحم إلا من يملك الرحمة ، ولمن تلجأ يا طالب الرحمات إلا إلى الرحمن – سبحانه – ، فيا أيها العبد الفقير الضعيف : إن راحتك وسكينتك لن تجدها إلا في ظلال من الرحمة ، والرحمة كلها ملكٌ للرحمن ، فألق بنفسك – روحًا وجسدًا – في رحابها ، واغسل قلبك وبدنك في دستٍ من معينها.

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ
يا لهناء المؤمن وسعادته حين يعلم أن هذا الرحمن الرحيم هو نفسه مالك يوم الدين ، نعم إنه بلا شك يوم الهول الأعظم الذي فيه تتطاير الصحف ، ” يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ” ، ” يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ ” ، يوم يُجْمِعُ الأنبياءُ والمرسلون كلهم على قول واحد : ” إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ” ، في ذلكم اليوم بطوله وشدته وقسوته يهنأ المؤمنون وحدهم فيه برحمة ربهم ، ويأنسون بفضله ورضوانه .

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ..
إليك وحدك يا الله يا رحمن يا رحيم يا مالك يوم الدين مقصدنا ونسكنا ، لا معبود لنا سواك يا الله ، هذا ما وقر في وجداننا ، ” قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ” ، عبادة وتذلل لله عن حب وافتخار لا عن قهر وضجر ، إننا يا ربنا نحمدك على أن أكرمتنا بعبادتك ، إن عبودية المؤمن لربه لا تقاس أبدًا بما اصطلح عليه البشر في مفهومهم عن استعباد بعضهم ، فعبودية البشر لبعضهم تقوم في معظمها على القهر والجور وتقييد الحريات بغير حق ، وهي في أحسن حالاتها تكون بأجرٍ لاحق وليس سابق – بمعنى أن الأجير أو ” المستعبد ” إن تقاضى أجرًا عن ذلك يكون أجره لاحق ومتوقف على إنجازه لما يكلفه به سيده – هذا إن قامت العلاقة ابتداءًا على شيءٍ من العدالة – ، أما عبودية المؤمن لله فهي عبودية واجبة في رقبته قد تقاضى جزاءها ابتداءًا من سيده ومولاه ، ثم إنها لتؤدي به في النهاية إلى الفوز العظيم برضوان ربه وأمنه يوم الهول العظيم حين ينادي عليهم ” يَٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ “.

..وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ
أتخيل المؤمن في هذه الحالة مستبشرًا واثقًا في ربه وهو يطلب منه العون وقد وقر في قلبه إفراده – سبحانه – بمعاني الربوبية والألوهية والرحمة والملك ، ثم إقراره – أي المؤمن – بعبوديته وحبه لله ، الآن – العبد الضعيف يلجأ إلى الملك ذي الحول والقوة واضعًا حاجته عنده وموكلًا له في شأنه ، قل لي بالله عليك : كيف لهذا القلب العارف بربه وقدرته أن يصاب بالشك والفتور وقد استعان على أمره بصاحب الأمر ومدبره ، أَنى لشياطين الأرض كلها أن توسوس له بأن يستعين بغير الله أو تشككه في تحقق عون الله له ، إن قلبًا ملؤه هذا الإيمان لتنكسر عنده كل الوساوس والشياطين ولا تجد إليه سبيلًا ، إنه قلبٌ قد اصطفاه الله وأرشده إلى طريقه ، يلهج المؤمن بطلب العون من ربه : إياك نستعين على تعبدنا ، نستعين على أورادنا وأذكارنا ، نستعين على التزامنا بشرعك وانقيادنا لحكمك ، نستعين على حياتنا وحوائجنا ، نستعين على ثبات قلوبنا وصواب قصدنا وحركة جوارحنا ، نستعين بك على محيانا في الدنيا حتى نصل إليك – سبحانك – في الآخرة وأنت راضٍ عنا.

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ – صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ
إنه دعاء شامل لأمر المؤمن كله – في دينه ودنياه – ، يستعين بربه ويستهديه الطريق القويم الذي لا عوج فيه ، طريق الحق لدينه الذي ارتضاه له ربه حتى يوصله إلى رضوانه وجنته ، وطريق الحق لدنياه كما أحل له لاكتساب معايشه وتعامله مع الخلق بلا ظلمٍ أو جورٍ ، طريق مستقيم يضمن له حياة هانئة في الدنيا ومنقلبًا مسرورًا في الآخرة ، هذا الطريق الذي لا يسلكه سالك بفطنته ودهاءه ، إنما يهدي الله – سبحانه – المؤمنين إليه وينعم عليهم بالثبات عليه ، فلا يجمعهم فيه مع من رأوا الحق وزاغوا عنه ولا من بدلوا آيات الله وحرفوها فاستحقوا غضبه وسخطه ، إنهم وحدهم المؤمنون المهتدون بهدي الله ، لهم دربهم وسبيلهم إلى رحمته ، لا يسايرهم فيه إلا من آمن إيمانهم واهتدي بهديهم : ” وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ “.

خناما، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : قال الله تعالى : ” قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله تعالى : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى : أثنى علي عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدني عبدي – وقال مرة : فوض إلي عبدي -، فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ” – وفي رواية : ” قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ” – رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة -.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى