مدونات

وطن أرمل..

الوطن هي تلك الأرض الأشبه بالمقدسات التي ارتوت بالموت لتنبض بالحياة حتى ولو كانت هذه الحياة تشبه الخريف الكل يتساقط منها ويتناثر كأوراقه فيرسم لوحة باكية تهـم بعناق الشتاء فنشعر ببرد الروح وتجمد العقل الذي يجعل النوم يصاب بالأرق، أما النعاس فهو مهاجر بلا عودة يطمح لتأشيرة العودة، وما كان علينا هو احتساء حساء السياسة المالح بدل أن نرتشف قهوة التاريخ المر.

إن الوطن يشبه ذلك الرجل الأرمل الذي توفت زوجته وتركت في رقبته عبىء الملايين من اليتامى كأمانة في يديه، عليه التكفل بهم وبمستقبلهم وحمايتهم من التفكك والانحلال تأمين لهم كل ما يسمح لهم العيش فيه بكرامة. لكن على ما يبدو كان جل اهتمامه أن يزني وجلّ كلامه بلا وزن، جعل اليتامى جياع، فتكاثر سقوط الموتى في صفوفهم والجهل والفوضى ساد المكان وكأنها لعنة اغريقية قررت الانتقام للزوجة المتوفاة.. فانتشر المرض في المكان وحتى الطاعون تحرر من الجاهلية وفك قيده ليسافر إلينا ليعلن إقامته الجبرية في حياتنا الحالية رغم أننا في زمن التكنولوجيا والعصرنة لا نستقبل من المفروض مثل هكذا زائرين ولكنهم مدعوين من السرقة التي أصبحت أسهل مهنة لسد رمق الطمع.

ومن الطبيعي بعد تسارع الأحداث أن يولد في رحم الضياع والفساد ابن عاقل يطالب بميراث والدته ومن الطبيعي أيضا أن يستفيق بعض الأبناء أيضا رغم اختلاف أهدافهم إلا أنهم يشتركون في هدف واحد هو “السلطة” لكن من المفاجئ أن يرفض الأرمل بكل الشكاوي وجعل طلباتهم من النسيان أما تماديهم في الطلب سيضطره لأخذ رخصة جديدة من دستور يخترعه لأجله ينص على  تنويم العقول و تخدير التفكير، أما الشجاعة في التصريح بالميراث هو أشبه بالتصريح بالانتحار وكان من المستوجب قتل الشهامة  لتسرح بشاعة الجرائم بكل شجاعة.

لذا كان لا بد للابن العاقل من ابتلاع أفكاره وقتل أهدافه ليهتم فقط بالبحث عن إسكات صوت قرقرة الجوع والحصول على مأوى متواضع ليضمن لكرامته الحرية لتتجول بكبرياء في أرجاء وطن أرمل.. أصبح فيه الكل أشبه بالدّمى مسيّرون لا مخيّرون إلا أن تلك الخيوط هي خيوط لعنكبوت و رغم أن أهون البيوت هو بيت العنكبوت إلا أنه مصيدة خير الحشرات و أذكاها.

القناعة أصبحت تائهة تُعاني الغثيان فالكل أصبح يلهث خلف مصالحه المجنونة وبأي طريقة كانت يسعى إلى تحقيقها ولو كان الثمن تجريد روحه من مبادئ تربى عليها، ولو كان على حساب الوطن هو ومن وقاحة الزمن أن تكون الجرأة في اغتيال الضمير، وتشرد الأخلاق، ضياع الأحلام ودوامة اللهث لأجل المال مهلوس ساري المفعول لا يوقفه أحد.

الطموح رائع حين يكون وقوده التحدي والإرادة ويكون في قمة بشاعته حين يعانق الوصولية ليكون كل عابر مصلحة في حياة الوطن كالخائن يهتم ببيع الكل ليشتري رفاهيته يقتل الكل ليحيا هو.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سيلا

الكتابة هي راحة أولئك الذين لا يجيدون الصراخ ... لذلك أنا كاتبة بالفطرة وصحفية من مواليد 1985 متحصلة على ليسانس ادب فرنسي وديبلوم تقني إعلام آلي وتجارب متعددة في التصوير والتنشيط والتدريس و و

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق