مدونات

وسائل الإعلام و تأثيرها على الفرد، تمرد في وحل الولاء.

صحيح ما يراه (جايمس شان) في وسائل الإعلام و تأثيرها على الفرد ليس فقط على المواقف ووجهات النظر بل من خلال الإدراك، الاعتقاد، السلوك، العاطفة، و وظائف الأعضاء، ذلك لأنّ العقل يستقبل المعلومة لكن يقوم بتحويلها إلى معرفة، واستنتاجات توصله إلى أمور أخرى، ومعانٍ جديدة، ومبادئ جديدة تتعلّق بالحياة من حوله؛ و لما نرى تكالب هذه الوسائل على تحضير طبخات لنشر اليأس و القنوط, ندرك أن للفعل فاعل و في الأمر إن و للهدم معول.

و لما كان ذلك فانه: “لا يقترب إلينا الشيطان من تلقاء نفسه بل نحن الذين نغريه ” أو كما قال (جورج اليوت)؛ فعلا لقد نجح الإعلام في كسب ود الشيطان و عبيده أمعنوا في التلاعب بمشاعر كثير من الشباب المتابع بكل عفوية و أحيانا سذاجة؛ فقد صوروا له أن ما يعرض أشياء تقدمية و عصرية محاولين بذلك إلهاءهم عن البؤس الذي يعيشونه؛ وللأسف نرى من بين الأخيار البسطاء من سار في ركب هذا الإعلام، فوجهوا أنظارهم إلى التفاهات و سفاسف القضايا و أهملوا كل شيء يشدو التنوير و التثقيف متمادين في الكذب على طريقة النازي (بول جوزيف غوبلز) وزير الدعاية السياسية لـ(هتلر)، والذي اعتبر الكذب أحد أسلحة الإعلام الموجه، وتفنن في استخدامه كوسيلة لتمرير الأجندات النازية، قائلاً: «أكذب وأكذب حتى يصبح الكذب حقيقة»، زاعماً أن «الحقيقة أكبر عدو» للشعب.

لما يكون قطاع الإعلام هذا و بهذه المواصفات عندنا و بيد مجموعة بعينها بإمعان كاذب تجتهد بإصرار لإبراز مساوئ بعض المناطق و إغراق أخرى بالمثالية, التسابق من أجل طمس معالم تاريخ أمة و بعدوانية, محاولة النيل من شخصيتها بتكسير لغتها و خلق هالة من الأكاذيب؛ هؤلاء و بهكذا سلوك لن تنتظر أي إصلاح بل تفاقم الفساد و التغطية على الاختلاس و عدم الكفاءة و نفور عن العمل؛ ما يحدث من ابتذال و تقهقر مستمر في مجال الإعلام السمعي البصري, يوحي بما أشرنا إليه…و من الأشياء التي يلحظها المشاهد: السقوط في مستنقع الابتذال, الاستسلام التام و الولاء المفضوح لجماعة ضاغطة, التمادي في التركيز على الفضائح و تكسير التابوهات.

لكن هذا التطاول غير بريء قد تسنده قوى تريد تمربر أجندات الله أعلم غايتها و يبقى الأمر المهم كما أشار إليه (هنريش هوفمان) بالقول: ” الحجر ثقيل، والرمل باهظ، وسفاهة السفيه أثقل منهم” فإعلام السفهاء جعل التفاهات ثابت في حريته و استقلاليته كأنما التفكير الملتزم و المسؤول لوقف الفساد، و السعي لإيصال هموم ومشكلات الناس الحقيقية و بإخلاص و مهنية أصبحت لا تعنيهم ليكون الارتقاء إلى مستوى المواطن و لمس واقعه و توفير حاجاته من هذا القطاع ظلم؛ و التعسف و الازدراء هما ديمقراطية.

دونما خلفيات عن هذا الواقع، شغلت التلفاز لأختار من برامج إحدى قنوات تلفزيون الوطن, و ما أكثرها! و يا لهول ما رأيت! …إبداع في التفاهة، منقطع النظير؛ أتجول من قناة إلى قناة لعلي أجد ما يسد الرمق و يشبع حاجتي من معلومة أو من فرجة, و أسفاه! حتى اللغة لم أجد لها التصنيف الملائم, كل السفاهة و الابتذال، لكن لم أيأس بل واصلت بحثي و الجرأة تحدوني عساهم يغضوا الطرف عن أي عرض يتسرب في خفاء و أجد شيئا مفيدا أو مسليا لصرف هذا الملل و القنوط من يومي هذا, إحباط و اختطاف للذوق و الترويج للخرافات، لا غير؛ فأيقنت أن هؤلاء صدعوا رؤوسنا بصراخ كعويل النساء يشتكون من الغلق و الظروف المهنية, لكن في المقابل و بكل مراوغة يتذللون لكل مفسد و فاسد؛ من حدوثة خرافية عن لباس و غناء و اللاشيء بمنطقة تأخذ كل الأضواء بمناسبة و بغيرها و كأن هذا الوطن القارة بفسيفسائه من هناك بدا و هناك توقف، إلى رقصة (شطحة) اعتبرت تراثا تاريخيا!

أمُر إلى القناة الموالية ليصادفني شيخ دين بلغ من العمر عتيا, يتحدث بالدين لكن لا يتكلم عن الدين بكل أريحية يسوّق للرذيلة و الانحلال بعد أن رأى ما يدور ما وراء الجدران! و بكل اشمئزاز و ترفع انتقلت إلى ثالثة ليطالعني ببغاء بحجم بشر و صوت كأنه النهيق, أكرمكم الله, صحفي رياضي سياسي متعدد الإستعمالات و ما يكاد ينتهي من عرض (شو) في هذه القناة حتى يُحجز له آخر في أخرى, صراخ و كلام شوارع و كأن المخرج عن قصد يفضح في كتلة اللحم تلك مركزا على طرف شاربه منتفخا جراء ( الشمة)؛ هكذا هو إعلام اللامبالاة ( التطباع) …

المهم ُتستنزف الدقائق بحيلة العاجز الذي لا حول له مع العصرنة و المهنية, و مع ذلك و رغم ما عانيت في تلك الدقائق من رداءة و حتى ” البريكولاج” التافه للمعروض علينا, فلن أنساق كما تعود الأغلبية وراء لغة الخشب, لان عبارة ”القلم المأجور” لم تعد تسوق بعد بروز هذا الكم الهائل من المنصات الإعلامية المختلفة و المتنوعة؛ انسحبت مكرها، انتظرت زمنًا لأحضر فنجان قهوة لعلي (افش غليلي) و أجلس في هدوء أرتشف من فجان قهوة نائليه بالتوابل (مڤدرة و مشّيحة ) بعيدا عن ذلك الصندوق ( التلفاز)؛ و بدافع الفضول قلت في نفسي ربما لو أشاهد مباراة قد أنال مرامي, لكن لسوء الحظ (افتجات) على قول (بن غبريط) وزيرة التربية السابقة بسماع نفس المعلق الذي بدأ يعوي بصوت و كلمات لا هي عربية و لا دارجة و لا أجنبية؛ خليط من كل شيء و لا شيء, يهرول بلسانه في كل الاتجاهات من غير معنى …

احتملت بكل لامبالاة أكثر من خمس دقائق ثم عيل صبري و غيرت نحو قناة أخرى لأجد نشرة للإخبار و التي حتى منظر الاستيديو و موضع الكاميرا و الإضاءة و…و…و… لا يوحوا بأن هؤلاء فعلا قد فكروا مجرد تفكير في تحضير هذه اللحظة التي ينتظرها جمهور من الناس البسطاء. فتغلب الجانب الدعائي ليتوقف عند تقديم مسؤولين يتزاحمون لتدشين صنم، الله يعلم إن كان ما يقال عن صاحبه من سوء صحيحًا؛ و كثر الخلط فغادرت القناة استحياءا؛ يكفي ما عانى المسكين، منظر ذلك الصحفي و هو يبحث عن نفسه وسط ركام الفوضى و الآخر الذي ينتظر خارج الوزارة و لا واحد سأل (سقسى فيه)، يتلعثم و تهرب الكاميرا بالصورة إلى اتجاهات غير التي يريدها الصحفي؛ فانتقلت إلى القناة الرابعة و الخامسة و كأن الوجود مقتصر على نفس الوجوه و نفس المواضيع و نفس الوصفات بمقاديرها المحدودة محدودية ماسكها و عارضها و مقتنيها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Benfettacha Mebrouk

مبروك بن فتاشة مواطن جزائري عربي دينه الإسلام, إنسان يعشق الجمال في كل شيئ, يحاول الكتابة للافادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى