سياسة و تاريخ

«وردة» للثورة المنسية

عام 1975 أجرى الأستاذ محمد حسنين هيكل حوارا مع شاه إيران، محمد رضا بهلوي، وضمن الأسئلة التي وجهها له كان سؤال عن دوره العسكري في قمع “ثورة ظفار” في عُمان، وعلى غير العادة أجاب الشاه على السؤال بصراحة شديدة، حيث أقر بالفعل بوجود قوات إيرانية تحارب مع قوات السلطان قابوس للقضاء على تلك الثورة.

في تبريره لذلك التدخل، ذكر أنه جاء تلبية لطلب عُماني صريح، أن الثورة في ظفار “شيوعية”، وهو من حيث المبدأ ضد الأفكار الشيوعية، كما أنه لن يسمح لتلك الثورة بالانتصار لأنها لو انتصرت سوف تكون تهديدا مباشرا لمصالحه خصوصا البترول الإيراني، وهو مصدر الدخل الأساسي لبلده، الذي يمر من مضيق هرمز، وهو التهديد الذي لا يقبله، وبحسب ما قال فإنه انتظر تدخلا عرييا في إطار الجامعة العربية، كي يقضي على تلك الثورة، ولما لم يحدث فإنه استجاب للطلب العُماني وأرسل قواته.

كانت تلك بالنسبة لي (وقت أن قرأت ذلك الحوار أوائل هذا القرن) أول مرة أسمع عن “ثورة” (بغض النظر عن توصيفها الأيدلوجي) قامت في جنوب الجزيرة العربية، في تلك “السلطنة” الهادئة الوادعة!

من هنا كان اهتمامي للبحث عن بعض تفاصيل تلك الثورة “الغامضة” التي لا يأتي على ذكرها الكثير، وبغض النظر عن بعض المعلومات القليلة على شبكة الإنترنت فإنني لم أجد مراجعًا يعتمد عليها، فيما يتعلق بالثورة وبدايتها ونهايتها المحيّرة، وقد بدا لي وكأن هناك “اتفاق صمت” في كل ما يتعلق بها، بعكس ما حدث في معظم ثورات العالم العربي في الستينيات والتي وصلتنا أخبارها وتفاصيلها بشكل يكاد يكون كاملا، من خلال شهادات ووثائق وكتب كثيرة.

وبالصدفة قرأت مؤخرا رواية “وردة” للكاتب الروائي المصري، صنع الله إبراهيم، الصادرة عام 2000 عن دار المستقبل العربي في القاهرة، والتي خصصها بالكامل للحديث عن تلك الثورة من خلال شخصية “وردة”، التي التقاها الراوي في مصر خلال الخمسينيات وتتبع أخبارها وأخبار الثورة التي اشتركت فيها منذ اندلاعها وحتى اختفائها في صحراء الربع الخالي منتصف السبعينيات.

بالطبع أعرف أنه لا يصح -في علم التاريخ- الاعتماد على “رواية” للحديث عن واقعة تاريخية، مهما كانت الأحداث الواردة في الرواية حقيقية أو موثقة، وهو ما كنت أدركه طول قراءتي للرواية، لكن من ناحية أخرى فإنه يمكن في ظل غياب مراجع وشهادات التعرف على الأجواء والظروف التي عاشتها الثورة الظفارية، فالأدب -في كثير من الأحيان- يتفوق على الوثائق في ذلك!

يمكن وصف ثورة ظفار بأنها كانت آخر “الأحلام المجهضة” في تاريخ المنطقة العربية، هذا إن استثنينا الثورة  الفلسطينية بكل خصوصيتها، وكان من حظها أن تشهد الهبة الأخيرة ل”الرياح الساخنة” التي قادتها الأنظمة الرجعية والإمبريالية العالمية في آسيا وإفريقيا، والتي لم تكن تقبل أبدا مهما كان أن تنجح، فذلك معناه نهايتها ونهاية نفوذها وسيطرتها.

مما لا شك فيه -وبأثر رجعي- فإن أي ثورة (مهما كانت أيدلوجيتها) في شبه الجزيرة العربية (وخصوصا في إمارات وممالك البترول) لم يكن ممكنا لها أن تنحج نهائيا، فالمسألة هنا ليست شعوبا أو مجتمعات فاتها قطار التحديث، وإنما هي ذلك “الكنز” الرابض في أرضها، والذي خلق بطبيعة الحال تحالفا بين أنظمة الحكم القبلية التي تسيدت وسيطرت بالسيف وبين قوى عالمية لها استثماراتها المهولة وأهدافها، خصوصا في ذلك الوقت والصراع بينها وبين الاتحاد السوفيتي على فرض نموذجها في العالم.

بالتأكيد فإن التدخل الإيراني في عُمان، وبغض النظر عن مصالح الشاه المباشرة، كان مدعوما من أنظمة وجهات دولية متعددة، في حين أن الثورة -وباستثناء بعض الدعم من مصر وليبيا والعراق واليمن الجنوبي- لم تكن تملك القوة لمواجهة أعدائها، ومن هنا كان حتما أن تلقى الهزيمة.

من شبه المؤكد أن الثورة حققت بعض النجاح في بداية انطلاقها عام 1963 بقيادة “مسلم بن نفل”، مستفيدة من الحالة “الثورية” التي أشاعتها الثورة اليمينية والدعم المصري الغير محدود لها، لكن ما لم يدركه الثوار وكل من دعموهم، أنه لن يقبل أحد ذلك لأنها كانت -هذه المرة- في موطن “الكنز” ذات نفسه حتى لو استمرت أكثر من 10 أعوام، وليس على هامشه أو بجواره كما في اليمن، وحتى هذه الأخيرة لم تقبلها القوى المتنفذة بسهولة، حيث حاربتها من أول يوم، واستنزفت قواها بحرب عصابات مولتها السعودية وأشرف عليها مندوب من مجلس الأمن القومي الأمريكي، ولم تستقر أمورها إلا بعد تفاهمات سياسية معقدة أعقبت حرب عام 1967 الكارثية.

هكذا كان الوضع حتى أعلن السلطان قابوس عام 1975 القضاء عليها واستيعاب كل من شاركوا فيها داخل نظامه، ولم يبق لها من أثر أو ذكرى، حتى جاء روائي مصري عام 2000 وكتب رواية عنها.

في الواقع -وكما كتب الناقد الشهير فاروق عبد القادر- فإن هذه الرواية “محيرة” جدا، حيث يصعب الفصل بين “الواقعي” و”الروائي” فيها، فهي -بغض النظر عن بعض الأخطاء الصغيرة في التواريخ- تعتبر “رواية تسجيلية” في المقام الأول، تعتمد على ما كتبته بطلتها “وردة” في مذكراتها الشخصية، والتي تغطي مساحة كبيرة في تاريخ الثورة، وكانت حسب ما جاء فيها، من أوائل المشاركين فيها، لكن ذلك -بالقطع- لا يعنينا، فالمهم هو ما يمكن تسميته ب”الجانب الإنساني” في تلك الثورة/الرواية، وهو وجه مشرق لأبعد مدى، حيث مجموعة من الشباب الذين حلموا بتغيير مجتمعهم للأفضل (من وجهة نظرهم طبعا) ليس فقط بالانقلاب على السلطة الحاكمة والوصول للحكم، وإنما بالاهتمام بكل ما في مجتمعهم من قضايا ومشاكل اجتماعية وثقافية وفكرية في المقام الأول.

الرواية التي تمتد لأكثر من 400 صفحة تفرد مساحة كبيرة، نصفها بالضبط، لما كتبته “وردة” منذ أن كانت طالبة في القاهرة بصحبة شقيقها، ثم رؤيتها لكل المتغيرات التي طرأت على العالم، والعالم العربي في قلبه وقتها وحتى مشاركتها في الثورة، وصولا لنهايتها بالموت في صحراء الربع الخالي، بعد أن تآمر شقيقها عليها وسلمها للسلطات (وحصل على مكافأته)، وبعدها يختفي أي أثر لها، فلا نعرف إن كانت قد ماتت في الصحراء أم في سجن من السجون، وهو الأمر الغير مهم إطلاقا.

في النهاية فإنها -مثل الثورة التي اشتركت فيها- انهزمت وضاعت وما كان ذلك ليحدث لولا “الخيانة”، ومهما يكن فإنه يمكن اعتبار الرواية نوعا من “الاعتذار المتأخر” عن النسيان المتعمد ل”وردة” و”ثورتها” المنسية!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق