سياسة و تاريخ

وحلّقت الطائرات فوق النقب

يوم 17 مايو 1967 قامت طائرتان حربيتان مصريتان، من طراز ميج 21، باختراق المجال الجوي الإسرائيلي، من إيلات إلى بئر سبع مرورا بمطار الخالصة وحتى مستعمرة سد بوكر، وعادت الطائرتان بسلام إلى قاعدتهما دون أية خسائر، وفي يوم 26 من نفس الشهر قامت طائرتان من نفس الطراز بتكرار اختراق الجبهة الجنوبية لإسرائيل.

كانت هذه “المغامرة” بترتيب خاص بين المشير عبد الحكيم عامر، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والفريق طيار صدقي محمود، قائد القوات الجوية، ومع أن الطائرات لم تكشف أو تصور شيئاً خطيراً له أهمية، عندما قامت بذلك الاختراق، إلاّ أن العملية في حد ذاتها كانت سبباً في زيادة الثقة في النفس، خصوصا وأن الحديث عن قوة سلاح الجو الإسرائيلي، وأنظمة الدفاع الجوي هناك، كانت شبه “أسطورية”.

وما حدث هو أن الطيارين المصريين (وللأسف لا نعرف أسمائهم) لاحظوا أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية لم تنتبه للاختراق إلاّ بعد مرور 14 دقيقة كاملة، كما أن الطائرات التي طاردتهم، وكانت من طراز “ميراچ”، لم تصل لأكثر من 16 كيلومتر فوق سطح البحر، بفارق كيلومترين عن الطائرات المصرية، كما أن بطاريات الدفاع الإسرائيلية أطلقت عليهم بعض صواريخ، من طراز “هوك”، لكن مدى تلك الصواريخ لم يصل إليهم.

وربما من هنا فإن عبد الحكيم عامر عرض على عبد الناصر، فكرة أن تبادر مصر بالهجوم على إسرائيل، طبقا لخطة قديمة وضعتها قيادة الأركان العامة، اسمها الخطة “فجر”، ولم يقتنع عبد الناصر، فهو في الأصل كان متشككا في نتائج تلك العملية/المغامرة، وفي استنتاجات قائد جيشه وقائد طيرانه، ولا يُعقل بأي شكل من الأشكال أن تكون قدرات سلاح الجو الإسرائيلي ودفاعاته بهذا القدر الضعيف نوعاً ما، بحيث تعجز عن التصدي لطائرتين مصريتين، فكما هو معروف للجميع إن إسرائيل، بعد حرب 1956، قد وضعت خطة لتطوير قواتها الجوية بصورة تجعلها متفوقة على كل الدول العربية، باعتبارها يدها الطولى وقوتها الضاربة.

على الجانب الإسرائيلي لاقت تلك المغامرة المصرية اهتماما كبيرا للغاية، وبحسب الوثائق (التي عرضها محمد حسنين هيكل في مجلة الكتب وجهات نظر عدد يناير 2001) فإن كل قادة جيش الدفاع اعتبروها “تطورا خطيرا” على مسار المواجهة مع مصر، خاصة وأن طائرات الاستطلاع المصرية كانت قد حلّقت فوق منطقة ديمونة، التي يوجد بها المفاعل الشهير، وبحسب تقرير للچنرال “إسرائيل ليور”، سكرتير رئيس الوزراء العسكري، فإنه قدّر أن ضربة عسكرية لمنطقة ديمونة أصبحت تمثل أولوية في الخطط المصرية، وهو ما يستوجب، كما قال تقرير أخر للچنرال “ييجال آللون”، عضو لجنة الأمن والدفاع في الكنيست، أن تقوم إسرائيل بشن حرب وقائية ضد مصر لحماية مشروعها الكبير.

الغريب أن كل التقارير والمواقف الإسرائيلية، التي تعرضت لتلك الحادثة، كما تظهر في الوثائق (التي عرضها هيكل) لا تأتي على ذكر التقصير الخطير في قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلي، وربما من هنا يمكن الاستنتاج أن ذلك العمل كان مرغوبا به في حد ذاته، لدفع الأمور على طريق الحرب، لأنه حتى ذلك الوقت لم يكن هناك رد فعل مصري مباشر على ما حدث ويحدث بين إسرائيل وسوريا والأردن، ولم يكن عبد الناصر قد اتخذ قراره الخطير بغلق مضيق العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو القرار الذي اعتبرته إسرائيل الطلقة الأولى في الحرب، والذي على أساسه قررت توجيه ضربة عسكرية لمصر.

 
الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق