مدونات

وجّه بوصلة جهازك.. التكنولوجيا وسبيل الوصول لبر الأمان

لا أحد ينكر الطفرة التكنولوجية في حياتنا اليومية وأهميتها في كثير من مجريات الحياة؛ لقد كان للتكنولوجيا الأثر الكبير في التقدم والرخاء للعالم في مستويات عدة منها العلمية، الاقتصادية، الصناعية، الاتصال، والتواصل.

هذه الطفرة التكنولوجية هي من أهم المواضيع التي تتنافس عليها الدول الصناعية، ومع أهميتها إلا أنها تحمل في طياتها  الكثير من السلبيات الاجتماعية.

حاصرت تكنولوجيا التواصل الاجتماعي، مثل: الفيس، الواتس، البريد الإلكتروني، والتشات وغيرها، الإنسان في بيته وعملت على إهمال الواجبات الاجتماعية والجلسات العائلية الجميلة التي كانت تُسعِدُنا في طفولتنا وشبابنا يوم كانت حكايات الجد والجدة هي المتنفس للسمر والسهر والحديث الشيق.

كما أدت الطفرة التكنولوجية إلى إهمال الزيارات الاجتماعية الضرورية والتي كانت عنوانًا للمحبة والترابط الأسري والعائلي حتى على مستوى الأصدقاء، ولكننا في هذه الأيام وفي عصر التكنولوجيا الخطيرة، نجد أنفسنا نغوص في محيط من الاتصالات والدردشات الرقمية ونعيش في جنبات الأجهزة الإلكترونية من الجوالات الحديثة إلى الحاسوب.

أصبح حديثنا اليومي عبر “الفيس بوك” وتهانينا عبر “التويتر” ومناسباتنا عبر “الواتس”، نجد الأصدقاء يقدمون التعازي ويهنئون بعضهم بالنجاح أو الزواج عبر الأرقام الحاسوبية.

الخطير هو أن أطفالنا الناشئين أصبحوا أكثر منا خبرةً في مجال الحاسوب، فنجدهم يقضون الساعات الطويلة أمام الجهاز على ألعاب خلقها لهم أهل التكنولوجيا لإتلاف عقولهم  مثل “الببجي” و”المزرعة السعيدة” و”الكانتر” وغيرها. أنا لا أريد أن أتحدث عن محتوى هذه الألعاب بقدر اهتمامي بما يضيعه الطفل في حياته من الاهتمام بهذه الألعاب.

وأظهرت العديد من  الدراسات التي نشرت في أرشيف طب الأطفال واليافعين، أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا قد تسبب في تكسير الروابط العاطفية بين الآباء وأبنائهم، بينما حافظ الاستخدام المعتدل لها على هذه الروابط.

ومن الأمثال الحية في الواقع، أولادي وأحفادي؛ فقد تعودت في بيتي من سنين طويلة أن نتناول طعام الغداء سوياً على مائدة واحدة، وأثناء وبعد الغداء نتبادل أطراف الحديث في أحوال الأسرة والعائلة حتى الأمور الخارجية.

ولاحظت من فترة ليست بالقليلة، تكرار غياب أحدهم عن الغداء، فسألت عنه. فقالوا لي: “بس يخلص الجيم”، فأنتظر كعاداتي لينتهي الجيم المقدس، من ثم يأتي فيتناول الغداء على عجل وينسحب  فوراً، فينتابني الحزن. أليس من المحزن شعور الأهل بهذه الفرقة بينهم وبين أولادهم من أجل هذه التكنولوجيا الخطيرة والتي ملأت بيوتنا وشوارعنا وفرقت بيننا وبين أهلنا.

وللعلم، أنا لست ضد الطفرة التكنولوجية أو التقدم التكنولوجي الهائل ولكنني حزين على استخدامه في صناعة الأمراض النفسية من الوحدة وقتل خلايا الدماغ بالتركيز على شاشة كمبيوتر أو الجوال طوال اليوم.

وللتكنولوجيا أثر كبير على النمو الحسي للأطفال، يمكن أن يتعرض الأطفال الذين يفرطون في استخدام التكنولوجيا وألعاب الفيديو للعديد من المشاهد العنيفة التي تتسبب في رفع معدل الأدرينالين ومستويات التوتر لديهم، وذلك لعدم قدرتهم على تمييز حقيقة ما يشاهدونه، حيث أظهر الأطفال الذين يشاهدون الكثير من العنف عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة ارتفاع في معدل دقات القلب بالإضافة إلى مستويات التوتر العالي للنظام الحسي.

من حق كل إنسان أن يعيش حياته كيفما يشاء وبطريقته التي يحبها، ولكن نصيحتي لكل مستخدم لهذه التكنولوجيا أن يجعل من يومه وقت كاف للحياة الاجتماعية من تزاور وتحاور وضحكات مع الأصحاب والأهل والجيران.

أترك أجهزتك بعيداً  واذهب إلى أُختك، أَخوك، صديقك، وجارك، وحاوره بالكلمات والعبارات بعيداً عن مجاملات التكنولوجيا الرقمية. ليس هناك أي مانع أن تستخدمها في نهارك أو ليلك ولكن استخدمها بوقت محدد كيلا تصبح إدمان لعقلك ولا تقتل مشاعرك وأحاسيسك الفطرية.

استخدم الطفرة التكنولوجية بما يفيدك في عملك وحياتك فإنها غنية جداً بالمواضيع الشيقة النافعة لك ولحياتك، اصنع من التكنولوجيا طريق لنجاحك بدل أن تكون طريق لضياع عمرك وفشلك في مسار حياتك، وجّه بوصلة جهازك وجوالك إلى هدف ترغب في الوصول إليه وتفرح في إنجازه، شارك من حولك بما في أجهزتك من العلم والفائدة ليساعدوك بتحقيق أهدافك.

وإذا كنت ممن أدمن على المواقع وبرامج الملهيات الخطيرة التي صُنعت خصيصاً لتدمير حياتك ووقتك وتفكيرك، فالحل سهل للغاية؛ هو الابتعاد عن جهازك لفترة قصيرة، والاعتناء بصحتك من خلال التمارين الرياضية، والزيارات المكوكية للأهل والأصحاب، ومجاملة الناس في أفراحهم وأحزانهم، فالزيارات تزيد المحبة والصفاء بين الأهل والخلان. فكن إيجابياً في استخدام صديقك الجوال والحاسوب بما فيه من العلم والمعرفة؛ لتصل إلى بر الأمان.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق