علوم وصحة

“وباء المعلومات”.. خطر يسبق الوباء الفيروسي

يواجه العالم في هذه اللحظة عوامل حديثة كبرى متصلة بانتشار المعلومات وتفشي الوباء لم تكن متواجدة بتلك الكثافة في تجارب الأوبئة والجوائح قديماً، أهمها ثورة المواصلات والأخرى ثورة الاتصالات، الأولى مسؤولة عن تفشي العدوى، والأخيرة تتحمل جُلَّ وِزر موضوعنا “وباء المعلومات”.

أعلنت منظمة الصحة العالمية في شهر فبراير عن قيامها ببرنامج التصدي للإشاعات المنتشرة عن جائحة الكورونا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسيكون ذلك من خلال الفرق المسؤولة عن إدارة مخاطر التواصل التقني، والتي تتخذ من جنيف مقراً لها.

تأتي هذه الخطوة بعد انتشار مهول للدعايات التجارية المتربحة من الأزمة، ومعلومات مغلوطة عن أسباب وطرق التعامل مع الفيروس، ويدرك جميع المتابعين أن إجراء من هذا النوع ليس باليسير تطبيقه، خصوصاً وأن تفشي “وباء المعلومات” أسرع وتيرة من انتشار الفيروس بحد ذاته.

وقد نشرت دراسة جديدة هذا العام بينت أنه قد تم ضخ استثمارات دعائية كبيرة تتمحور حول فيروس كورونا، تنوعت بين حملات سياسية، وإعلانات تجارية، وأخرى حقوقية، بل حتى شملت منتجات أعشاب واستشارات عن أسواق الأسهم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فنُسِجت الأساطير عن أن الوباء عقاب إلهي، أو أنه ضمن حرب بيولوجية كبرى.

ويمكننا جمع أغلب محاور وباء المعلومات تحت راية الاستثمار في الخوف، وهو ما كان جلياً في بعض جوانب التدفق المعلوماتي وخفياً في نواح أخرى، ولذلك فإن آثار نشر المعلومات المشوهة أعمق من ضرر مواد عشبية أو بيع كمامات تجارية مغشوشة.

وقد صعدت مع أزمات الوباء عبر التاريخ موجات من التنمر العنصري اتجاه مجموعات إثنية أو عرقية معينة ساد الاعتقاد بفعل التجهيل المعلوماتي بأنهم مصدر للوباء، فكانت الأحكام جاهزة والتعميم الجائر اتجاه نمط حياة تلك المجموعات أو نوع المأكولات المنتشرة بينهم، وخلق صورة ذهنية تربطهم بالفيروسات والأمراض.

هذا النوع من التصنيف لا تقتصر خطورته على الآثار النفسية المدمرة على أفراد تلك المجموعات، بل قد يؤدي لإخفاء معلومات هامة عن أماكن السفر والأعراض الصحية التي يعاني منها الفرد خوفاً من رد فعل السلطات أو المجتمع اتجاهه.

نشأت علاقة قديمة بين الأوبئة والهُوية بكل تعاريفها السياسية والاجتماعية، فكثيراً ما خلفت الأوبئة متجمعات بملامح مختلفة عما كانت عليه قبل اجتياحها له، فالقصص عن ما خلفته جائحة الأنفلونزا عام 1918م من تبدل في أدوار الأسرة بعد فقدها العائل أو موت حاضنة الأطفال، أو ذهاب كلا الوالدين ليجد الأطفال أنفسهم نزلاء دور اليتامى، وتبدأ مرحلة تشكل شخصياتهم بناء على تلك التجربة المريرة.

أحاسيس الحرمان والفقد والألم دائماً ما صاحبت الجوائح، هذا بالإضافة للأذى النفسي الصادر عن تصرفات البشر اتجاه بعضهم، وإن لم نتيقن من مصدر فيروس الكورونا، إلا أننا لا نشك في أن “وباء المعلومات” من أفعال الإنسان المباشرة، وينبغي السيطرة عليه بسرعة.

وربما يعود جزء من مسؤولية التمييز الوبائي بالهُوية العرقية أو الخلفية الإثنية إلى الدراسات الصحية، والتي تفضل أن تكون أبحاثها على فئة محددة من الناس متجانسة العرق والأوصاف قدر الإمكان، وذلك لتجنب تعميم نتائج غير دقيقة على العينات المختارة.

ومثال ذلك تلك الدراسات التي جرت عن داء كساح الأطفال، والذي انتشر بكثافة أواسط الجالية الآسيوية ببريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر، وأعاد الباحثون سببه لسوء الغذاء بين تلك الفئات.

تحول التركيز على هذا الداء لقضية جدالية كبرى في الفضاء العام البريطاني حول السياسة والاقتصاد والتهميش الإثني، وسرعان ماتحول داء الكساح من مسألة طبية إلى ساحة جدل اجتماعي ربما تعثرت بسببها جهود حقيقية لرفع المعاناة عن المتضررين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Anwar Mohamed

أنور ياسين محمد - كاتب مقيم بأستراليا- للمراسلة: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق