سياسة و تاريخ

هوبير ليوطي: الرجل الفرنسي الذي أرسى التواجد الفرنسي بالمغرب

يعتبر المقيم العام الفرنسي هوبير ليوطي أهم شخصية فرنسية طبعت تاريخ التواجد الفرنسي بالمغرب، وعمرت طويلا، منذ الحماية سنة 1912 حتى 1925، اشتهر كثيرا بين المغاربة كونه دخل إلى الإسلام، أحب التواجد بالمغرب وأوصى بأن يدفن بعد موته فيه، رسم خريطة خاصة لإستغلال المغرب، تقرب من العلماء والدعاة، وعمل على تبرير التواجد الفرنسي بالمغرب وحول بوصلة المغاربة ونظرتهم من الغزو الفرنسي إلى التواجد من أجل القضاء على الصراعات الداخلية، والقيام بالإصلاحات اللازمة بمختلف المجالات، ترك الجزائر ومدغشقر من أجل الإقامة بالمغرب، خص تاريخ المغرب بكتاب خاص في مذكراته الشخصية، تم نشر فصولها بعد مغادرته للمغرب.

ولد وتربى المقيم العام هوبير ليوطي وسط أسرة عسكرية متشبعة بالفكر العسكري، نشأ على التقاليد العسكرية، فسيطر على فكره كغيره من الفرنسيين خلال تلك المرحلة ضرورة ولوج المجال العسكري، وتأتى له ذلك بمساعدة والديه، هذا التأثر الكبير لم يكن وليد الصدفة، فقد جاء بعد هزيمة الفرنسيين أمام الجيش الألماني خلال حرب 1870.

ليوطي الشاب الذي كان يهوى العمل العسكري بشكل جنوني، إنخرط في الجيش الفرنسي مبكرا، وتدرج عبر مختلف درجاته ورتبه، شارك رفقة الجيش الفرنسي في الحرب الهند الصينية، وكان أحد أبرز قادته، برز رغم صغر سنه في صفوف الجيش الفرنسي، بعدما عرف بالذكاء والفطنة، كل هذه الإنجازات جعلته يحضى بمكانة سامية داخل الجيش، فما كان من الفرنسيين إلا أن أرسلوه إلى الجزائر، التي لم يعمر بها طويلا، حيث كانت أعينه تترصد أخبار المغرب الداخلية، قبل أن يتم تعيينه مقيما عاما ويحقق الحلم الذي راوده طويلا بالمجيء إلى المغرب والإقامة به.

حاول ليوطي من خلال مذكراته أن يبرز ارتباطه الوطيد بالمغرب والمغاربة، كتب عن ميوله إلى حياة الصخب وطريقة عيش المغاربة التي أعجب بها كثيرا، وعن العمل الذي كان يستهويه والمغامرة التي كان يقوم بها في المغرب، كما أشار إلى نفوره الكبير من الحياة الرتيبة المملة التي عاشها بالجزائر.

خلال الفترة القصيرة التي قضاها ليوطي بوهران وعديد المدن الجزائرية، وما أصابه من الملل عقب انتهاء تجربته بالجزائر، أمور عجلت بعودته مرة أخرى وبشكل سريع إلى العمل بفرنسا، حيث عرضت عليه الإشراف على التواجد الفرنسي بالمغرب، وهي المهمة التي تحمس لها كثيرا.

دعوته للعمل في المغرب لم تكن صدفة كما قيل بعد تعيينه مقيما عاما، البعض يرى في اختيار ليوطي لهذه المهمة بالمغرب جاء نتيجة تجاربه السابقة وخاصة التي تتعلق بتواجده في الجارة الشرقية الجزائر، حينها كان المغرب يردح تحت مشاكل داخلية لا حصر لها، وكان ليوطي على علم بها، الشيء الذي أهله للمهمة الجديدة بالمغرب من طرف القيادة الفرنسية، هذه الخبرة مكنته من الاطلاع على شؤون المغرب ومشاكله مع القوات الجزائرية والفرنسية على الحدود، وجعلته يحقق الأمنية التي لطالما كان يحلم بها.

هوبير ليوطي الذي عبر عن رغبته الكبيرة في القدوم إلى المغرب والعمل به، غير توجهات فرنسا تجاه المغرب بالكامل، حيث كان الفرنسيون يسعون إلى تعيين مسؤول مدني، لا علاقة له بالمجال العسكري، إلا أن طبيعة المغاربة والأحداث التي كانت تهيمن على البلد من الداخل، وخاصة الأحداث التي كانت تعرفها مدينة فاس غيرت  موقفها، معتبرة أن هذا الوضع الحالي في المغرب لايمكن أن يصلحه إلا العسكريون.

أثناء تواجده بالمغرب، نال ليوطي شهرة واسعة داخل وخارج المملكة المغربية، عمل بتفان كبير خدمة لبلده فرنسا، عرف بمكر كبير متجنبا الدخول في صراعات وحروب طاحنة، عمل أساسا بطريقته الخاصة على ضبط الأوضاع الداخلية وإرساء التواجد الفرنسي، حيث نهج سياسته الديبلوماسية المبنية على الذكاء والمكر، معتمدا على الخطط الخبيثة التي كان ينفذها بذكاء ودقة، فبمجرد أن تم تعيينه وإلحاقه للعمل بالمغرب، عكف بشكل كبير على جمع علماء المغرب، خاصة من ذوي التوجهات الدينية الإسلامية الذين يؤثرون في المجتمع المغربي، ولهم شعبية بين الناس، جمع حوله العلماء والجواسيس قصد استطلاع أخبار المغاربة وما يخططون له، كل ما يتعلق بأمور الحياة في المغرب، في البوادي والمدن والأرياف، لم يكن ليترك أي شيء للصدفة، كانت الأخبار التي تصله يدقق فيها بكل جدية، ما سهل على الفرنسيين اجتياح مناطق عديدة من المغرب خلال تواجده.

إن تواجد ليوطي بالمغرب تميز بالتناقض ما بين ما كان يخفيه وما يصرح به ويعلنه، ما بين الأهداف التي يسعى إليها والحب المزيف الذي كان يظهرة للمغاربة، فكان يلمع صورة المغرب، وما يميز الحضارة المغربية العريقة، وتاريخه العريق من حضارة وتقاليد، مدافعا على مبدأ الحماية التي اختارتها فرنسا كشكل من أشكال الاستعمار بدول العالم الثالث، فكان يستغل كل فرصة ليستفيض في الحديث عن المغرب والمغاربة، من خلال إعطاء التعريفات المدققة لكل ما يتعلق بالمملكة، فكان يبدو محبا للمغاربة متعاطفا معهم، لكن الواقع مختلف تمام الاختلاف عما كان يروج له حول هذه الشخصية المثيرة للجدل، في الواقع كان يطبق أوامر مسؤوليه في باريس بكل تفاصيلها بطريقته اللبقة دون إثارة الإنتباه.

عمل هوبير ليوطي على إخضاع السهول الأطلسية وجبال الأطلس المتوسط التي كانت عصية بسبب وعورة التضاريس وشراسة المقاومة، فكانت جل المواجهات التي خاضها ضد هذه القبائل تتسم بالشراسة، وخاصة المواجهة ضد قبائل الريف، الأمر الذي كان يزعجه كثيرا ويؤرق باله.

وفي هذا الإطار كان ليوطي يروج لأفكار فرنسا التي قدمتها للعالم من أجل الدخول إلى المغرب وإستعماره، فكان ينشر بين المغاربة أن الدخول الفرنسي كان بغرض الإصلاح، إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كان يعيشها المغرب آنداك، كما أنه كان يبرر الأعمال الهمجية التي يقوم بها الجيش الفرنسي، على أنها تدخل في إطار سياسة التهدئة التي جاء من أجلها، أي أنها في الأصل ليست عمليات غزو وإستعمار، بل إخضاع لقبائل متمردة على السلطان فقط، وأن فرنسا يهمها مصلحة أمن واستقرار المغرب كثيرا، كما اعتمد سياسة خطيرة وذكية ساعدت فرنسا كثيراً على تفادي الكثير من الخسائر البشرية والمادية، حيث استمال كبار القادة إلى جانبه وسمح لهم ببسط السيطرة على مناطق شاسعة من الأراضي والممتلكات، كما سمح لهم باستغلالها حسب أهوائهم ورغباتهم، شريطة ضمان الأمن داخلها، فكان هؤلاء القادة تحت إمرته يحركهم كالدمى، ويستغلهم خدمة لفرنسا، وضمانا للأمن بهذه المناطق.

إن من حسنات ليوطي على المغرب تنفيذه للعديد من المشاريع التي سهلت على الفرنسيين إستغلال ترواث المغرب من جهة، ومن جهة أخرى فكت العزلة عن المناطق الوعرة، كالطرق والقناطر التي تم تمويلها من طرف المغاربة كما نص على ذلك مؤتمر الجزيرة الخضراء، حين تم تخصيص ما يقارب 2% لإنجاز الأشغال الكبرى، بالإضافة إلى أعمال السخرة التي كان أفراد القبائل ملزمين بالقيام بها بالتناوب.

رحل الرجل الذي رسخ وقوى الوجود الفرنسي بالمغرب، راسما بذلك مسارا جديدا للمغرب إبان الاستعمار الفرنسي وما بعده، رحل بعد سنوات طويلة لم يستطع أي أحد من المقيمين العامين الذين خلفوه أن يقضوها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق