سياسة وتاريخ

هنري كيسنجر.. تنبؤات ما قبل الرحيل

لست هنا لأسرد تاريخ هنري كيسنجر الذي يقارب عمره 97 عاماً، فتاريخه غني وطويل، ولكن عندما يتحدث رجل في مثل مكانته بعد كل هذا العمر، فلا بد لنا أن نصغي إليه مهما اتفقنا أو اختلفنا معه ومع سياساته أو آراءه.

يعد هنري كيسنجر (نظر الجزيرة نت) الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1973 من أهم الشخصيات التي ساهمت في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وقد حقق أثناء عمله في البيت الأبيض مستشاراً للأمن القومي ووزيرًا للخارجية إنجازات مهمة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم، مثل الانسحاب من فيتنام، وفصل القوات على الجبهة العربية الإسرائيلية عام 1974، وزيارة الرئيس الأميركي نيكسون إلى الصين، ومعاهدة الحد من التسلح SALT التي عقدت مع الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن دوره في جهود التسوية في الشرق الأوسط.

ولد هنري ألفريد كيسنجر في ألمانيا عام 1923 لأسرة يهودية هاجرت إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1938 هرباً من الاضطهاد النازي، وحصل على الجنسية الأميركية عام 1943 والتحق بالجيش الأميركي، وعمل في المخابرات، واشترك في الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

حصل هنري كيسنجر على منحة دراسية في جامعة هارفرد عام 1946، واختار دراسة العلاقات الدولية التي برع فيها، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، وكانت أطروحته عن الفترة التي تلت عهد نابليون بونابرت في أوروبا.

وقد خرج علينا البروفيسور كيسنجر بمقال في الوول ستريت جورنال عن أزمة كورونا والنظام العالمي الجديد، والحقيقة هنا أنني حاولت جاهداً الاستقصاء عن المقال فلم أجد نص المقال الأصلي، فاضطررت إلى متابعة الترجمات المتوفرة له عبر المواقع على شبكات الإنترنت.

فعلى موقع الجزيرة نت بتاريخ 4/4/2020 يقول السيد كيسنجر في مقاله التي نشرت عنه ترجمتها وتعليقها موقع الجزيرة، فتحت عنوان “فيروس كورونا سيغير النظام العالمي للأبد”، نشر الموقع ترجمته لبعض ما جاء بالمقال باختصار مما شوه معه رأي كيسنجر.

فلم نعرف كيف سيتغير النظام العالمي الجديد إلى الأبد؟ أم أنها تصريحات للشو الإعلامي من أجل إحياء شعار “نحن هنا” ولفت الأنظار إليه.

وفي ترجمة أخرى لجريدة الشروق المصرية بتاريخ 4/4/2020 وتحت عنوان مشابه “وباء كورونا سيغير النظام العالمي إلي الأبد”، استوقفتني فقرة في المقال تقول:

“وأوضح كيسنجر أن الأمم تزدهر وتتماسك باعتقادها أن مؤسساتها يمكن أن تتوقع الكارثة، وتوقف تأثيرها وتستعيد الاستقرار، لافتًا إلي أنه عندما ينتهي الوباء، سيتم النظر إلى مؤسسات العديد من البلدان على أنها فشلت، ولا يهم ما إذا كان هذا الحكم عادلاً وبشكل موضوعي، لكن الحقيقة هي أن العالم بعد كورونا لن يعود كما كان”.

ففي هذه الفقرة وبعد أيام من نشر المقال، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية تقع في “حيص بيص” بالنسبة للوباء، فتارة نجدها تتهم الصين بأنها السبب في انتشار الوباء، حيث تتهم واشنطن بكين بأنها أخفت معلومات مهمة عن الوباء وعن سرعة انتشاره وعدد المصابين الحقيقي بالصين، كما تهدد واشنطن منظمة الصحة العالمية بحجب الأموال التي تتلقاها من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن المنظمة لم تحذرها بالشكل الكافي لخطورة المرض وأنها تأخرت في ذلك بعض الوقت، مما زاد من انتشار المرض.

والسؤال الآن باعتبار أن أمريكا هي أعظم وأكبر دولة في العالم في ظل النظام العالمي الحالي، ولم تستطع فعل شيء بالنسبة للوباء من حيث عدم قدرتها على اكتشاف علاج للوباء وعلى الأقل الحد من انتشاره ومواجهته بكافة السبل.

فهل سيتم النظر إلى مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية إلى أنها فشلت سواء من جانب المواطن الأمريكي داخلياً أو حتى من جانب المواطن في كافة دول العالم؟ فستكون النظرة من كل منهما إلى أمريكا إلى أنها ضعيفة لم تستطع اكتشاف علاج لمجرد فيروس سبب لها ولنا كل هذا الهلع والخوف، بما يهدد معه عرش الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة العالم فيما بعد كورونا، ولنسهل علينا الأمر بتشبيه تخيل مثلاً أن لديك بودي جارد غير قادر على حمايتك، فإما ستغيره وإما ستنظر إليه نظرة العاجز لعدم قدرته على حمايتك، في كلتا الحالتين كأنه لم يكن.

فقرة أخرى استوقفتني ألا وهي:

“وأشار كيسنجر إلى أن القادة يتعاملون مع الأزمة على أساس وطني إلى حد كبير، لكن تأثيرات الفيروس على تفكك المجتمع لا تعترف بالحدود، مرجحاً أن تستمر الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي سببها كورونا لأجيال، مشدداً على أنه لا يمكن لأي دولة، ولا حتى الولايات المتحدة، أن تتغلب على الفيروس عبر جهد وطني فقط، بل يجب أن تقترن تلك الجهود بتعاون عالمي”.

والحقيقة هذه الفقرة مهمة جداً، حيث من هذا المنطلق يجب أن تكون هناك وحدة أبحاث عالمية مستقلة تابعة لمنظمة الصحة العالمية، بها مراكز أبحاث علمية لمواجهة أخطار انتشار الأمراض مثل كورونا، والعمل على اكتشاف علاج لها، على ألا تتبع أي دولة ويكون علماؤها وباحثوها على أكبر قدر من الدرجات العلمية، وألا تكون منظمة الصحة العالمية مجرد هيئة صحية رقابية تتابع وتنصح بالإرشادات  فقط.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى