سياسة وتاريخ

هنري ديفيد ثورو وفلسفة العصيان المدني

في مقالته “عن العصيان المدني” طرح ثورو عدة قضايا أبرزها: دور الحكومة في إدارة شؤون الدولة. ويفتتح ثورو مقالته بأن أفضل عمل ضروري تقوم به الحكومة أن لا تدير شئون الدولة ولا تؤدي وظيفتها، وحدد وظيفة الحكومة بأنها الحكومة التي لا تعمل.

“ما فتئت أقبل عن حماسة مبدأ (خير الحكومة ما حكم أقل)؛ ووددت لو أني رأيته معمولاً به على نحو أسرع وأكثر منهجية. فبإنفاذه يؤول أخيرًا إلى المقولة التالية التي أومن بها هي الأخرى: (خير الحكومة ما لا يحكم إطلاقًا). وعندما يكون البشر مستعدين له فذلك نوع الحكومة الذي سيحصلون عليه”.

وهو ينطلق في رؤيته من نزعة فردانية لاسلطوية. فالحكومة تحصر السلطة بيد فئة صغيرة تتحكم بجهود الأفراد وتنظم سلوكهم، بحجة تنظيم المجتمع وحفظ النظام. وعلى الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه الحكومة في إدارة شؤون الدولة، يرى ثورو أن الحكومة الأمريكية برجماتية، تبحث عن منفعتها، وقد تحيد عن تحقيق إرادة الشعب، فيقول عن حكومته الأمريكية:

“ليست الحكومة، في أحسن الأحوال، غير وسيلة يتذرع بها إلى حين تيسيرًا للمصلحة؛ لكن معظم الحكومات عادة، وكل الحكومات أحيانًا، لا ييسر المصلحة. والاعتراضات المقدمة ضد جيش قائم، وهي عديدة وذات وزن وتستحق أن تعمم، قد تقدم أيضًا في المآل ضد حكومة قائمة. فالجيش القائم ما هو إلا ذراع للحكومة القائمة. والحكومة نفسها، التي هي الكيفية الوحيدة التي اختارها الناس لإعمال إرادتهم، معرضة بالمقدار نفسه للشطط في الاستعمال وللشذوذ قبل أن يستطيع الناس العمل من خلالها”.

ويستشهد على جنوح الحكومة الأمريكية المنتخبة من قبل الشعب، الذي يريد من هذه الحكومة أن تعبر عن آماله، لكنها ورطته بالحرب مع المكسيك. ولو أن الحكومة استفتت الشعب على هذه الحرب لما وافق الشعب عليها. والحرب المكسيكية الأمريكية (1846 – 1848م.) اندلعت بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك نتيجة خلافات تراكمت لمدة عقدين. ففي 1835 م. تمردت منطقة تكساس على الحكومة المكسيكية وأعلنت جمهورية تكساس في عام 1836م. وبعد أن صارت تكساس إحدى ولايات الولايات المتحدة الأمريكية، طالبت بأن تكون حدودها الجنوبية الغربية عند نهر ريو جراندي، ولكن المكسيك رفضت، ورفضت كذلك دفع التعويضات للمواطنين الأمريكيين أو التنازل عن أي أراض أخرى. ادعت الحكومة الأمريكية بأن الحدود الجنوبيةَ لتكساس كانت ريو جراندي التي أبقتها المكسيك، وأعلنت الحرب. وردت المكسيك فأعلنت الحرب. وانتهى القتال عمليًا في أكتوبر 1847م بعد اقتحام قوات الجنرال وينفيلد سكوت المكسيك. قامت القوات الأمريكية باحتلال مدينة المكسيك (مكسيكو سيتي) العاصمة. وبموجب معاهدة جوادالوبي هيدالجو، اشترت الولايات المتحدة من المكسيك أراضي: كاليفورنيا ونيفادا ويوتا ومعظم أريزونا ونيومكسيكو وبعض أراضي كولورادو وويومينج. ولكن كثيرًا من المؤرخين يعتقدون أن الحرب كانت هجومًا غير مبرر على دولة ضعيفة. وهذا الاعتراض على حرب أمريكا ضد المكسيك من قبل ثورو كرره من بعده كثير من الفلاسفة والمفكرين.

يصف ثورو هذا النوع من الحكومة البرجماتية، التي تبحث عن مصلحة ثلة من الأفراد كما يأتي:

– تصور نفسها لمن يأتي بعدها أنها كاملة، ولكنها رغم ذلك الزيف تفقد كل لحظة رصيدًا من كرامتها.

– ليس لها حيوية ولا قوة فرد من أفراد الشعب، وفي إمكان رجل من الشعب أن يطوعها لمصلحته.

– على الرغم من ضرورتها إلا أنها في نظر الشعب نموذج على السلاح الخشبي أي أنها ضعيفة لا تستطيع تلبية مطالب الجماهير أمام أطماع القلة التي تدعمها.

– على الشعب أن يبحث عن وسيلة ناجعة يوصل بها صوته لهذه الحكومة حتى تنفذ أوامره.

– تعرقل أي مبادرة لإصلاح الدولة ما لم تكن ترمي إلى تحقيق أهداف الأفراد الذين يدعمون هذه الحكومة.

– لا تهتم بالحفاظ على حرية الدولة، ولا المساهمة في حل المشاكل، ولا تهدف إلى تربية الجماهير.

– لم تقدم إنجازا حقيقيا للشعب الأمريكي بل الشعب هو من حقق كل ما نراه من انجازات للدولة، وكان من الممكن تحقيق مزيد من الانجازات لولا العراقيل التي تضعها أمام طموحات هذا الشعب.

– يشبه هذه الحكومة بجماعة من الأشقياء الذين يضعون العراقيل أمام قضبان السكك الحديدية، وهذا يدل على أن هذه الحكومة تقف منحازة لمجموعة من الأفراد ضد مصلحة الجماهير.

هذه الحكومة يجب أن ترحل ويأتي حكم أفضل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى