سياسة وتاريخ

هنالك حيث يمتد الغرب الإسلامي: هل خان البحر «أسد البحار»؟

لا أحسب، وحتى لا أفتري على إنسان هو الآن من الأموات؛ ذلك البحار العربي شهاب الدين أحمد بن ماجد السعدي، والملقب بـ أسد البحار والذي عاش في القرن التاسع الهجري والموافق للخامس عشر الميلادي- ولد في عام 838هـ؛ حسب تحقيق أنور عبد العليم في كتابه ابن ماجد الملاح؛ من سلسلة أعلام العرب، عدد شهر مارس، سنة 1967م، مصر -رحمه الله ونفعنا بعلمه- إلا أنه يَقعُد اَلْأُرْبُعاء (مُتربِّعًا)، وبيده اليمنى؛ بين سبابته وإبهامه وظهر أُصْبُع الوسطى قلمه الذي براه، وبيده اليسرى قُرطاس، وعلى يمينه دَواتُه؛ يَنظِم علمه البحري رجزًا؛ فيُجري حروف كلماته مدادًا على الورق.

وهو المحرر لأفكاره لا يكون إلا في خلوة هادئة، وفي وقت خال من تجاذبات الانشغالات اليومية، وقد تخفف من أثقال عمل كان قد أُنجز، وقد آب من رحلة بحرية تجارية طويلة؛ كان يجري مركب أسد البحار (الدّاو) في غير وهن في مياة المحيط الهندي؛ من جزر القُمر أو جزيرة زنجبار أو من الساحل الشرقي لإفريقيا السوداء، أو من أرخبيل الفليبين وماليزيا، أو جزيرة جاوة، وفي يوم من أيام فصول غلق البحر؛ أي يُمنع الإبحار فيها لرداءة الطقس؛ وهو القائل في أرجوزته المسماة بـِ “حاوية الاختصار في أصول علم البحار”:

وينبغي معرفة الأرياح   *  ومَغلق البحر والمِفتاح

فغلقه يمكث ربع عـــام   *  مدة تسعون من الأيــام

ويقول بعد ذلك في نفس الأرجوزة:

فهذه التسعين فــــها الغـَــلــــقـا  *  حقيق من جاز بها أن يشقى

من مضض الوحشة والتنــــدم   *    وكثرة الوسواس والتـــــألم

أما الضرورات فكم منها جرى  *    كم جاز فيها أحمق وخاطرا

فلا شيء يشغل تفكير أسد البحار ابن ماجد، الآن إلا تدوين ما اكتسبه من تجارب، وهو الربان الذي لا أحد غيره خبر البحر، وتقعيد ما اكتسبه مِراسًا، وما لاحظه وامتحنه واحتك به، وأدرك ماهيته وسلوكياته، وقد يكون في أيام دفعت فيه الرياح الموسمية الآتية من عمق المحيط الهندي غيومًا كثيفة، والمُعيقة للسفر في البحر، حُبلى بذرات الماء، فيكتب على إيقاع زمهرير الريح، ونقرات المطر، يُحدِثها سقوط القطرات على سقيفة كُوة بيته المبني بلبنات من التراب، وهو يَنظِم أرجوزته المشهورة في علم البحار، التي عنونها بـِ”الفوائد في أصول علم البحر والقواعد”؛ إذ يرفع قلمه وقد داهمت ذهنه فكرة، فيسرح بخياله؛ يمتطي صهوته ليحلق به إلى هنالك؛ إلى حيث يمتد الغرب العربي الإسلامي؛ الذي لا يحُد بطائحه إلا بحر الظلمات (المحيط الأطلنتي) بأمواجه الصاخبة؛ في بلاد يعرفها هو القاطن بالشرق الإسلامي باسم (مراكش)؛ فنتساءل ما هو ذلك الشيء الذي يشد انتباه البحار ابن ماجد – الذي أرشد الربان البرتغالي فاسكو دي كَاما إلى ساحل الهند إذا صح هذا، وقد نفى هذه الواقعة من نفاها من المحققين- إلى هذه البلاد التي تبعد عن ساحل عُمّان بمئات الأميال البرية؟ وهل كان لزامًا أن يأخذ بألبابه هذا الشيء، ولا يفكر في غيره في هذه اللحظة من لحظات استحضار تجاربه في خوض البحار، وتقعيدها في كتاب؟

هناك بجانب أسد البحار على رف الكتب المجلدة والمُسفرة كتاب مخطوط، أو هو بين كتب أخرى راكمها أمامه؛ لا ندري؛ يُدمن قراءتها ليستزيد من علمها، ويسترشد بما صاغته من قواعد ونظريات في علم البحار -أو ما يُطلق عليه حاليًا بعلم (الأوسيانوغرافيا)- تنفعه في رسم المسالك البحرية الآمنة، وفي علم الأنواء وعلم الفلك وعلم الرياضيات، وهو من أجل بُغيتِه؛ يجدّ ويكدّ ويسهر الليالي، كما قال في هذا البيت من إحدى أراجيزه:

سُهاد حكت عيني عُصارة عَنْدم  *  وكل نجوم الليل تسأل عن دمي

وتعني كلمة (اَلْعَنْدَم) الواردة في هذا البيت، وحسب معجم لسان العرب: (وقال بعضهم: العندم دم الغزال بلِحاء الأرطى (والأرطى شجر ينبت في الرمل، زهره طيب الرائحة وثمره كالعناب يُستعمل في الدباغ)؛ يُطبخان جميعًا حتى ينعقدا فتُختضب به الجواري، وقال الأصمعي في قول الأعشى: (سخامية حمراء تُحسب عندم)

ويقول أيضًا في أرجوزة أخرى:

تأمل وشاور واسهر الليل واعزم  *  وحقق ودقق واحفظ السر واكتم.

اسم ذلك الكتاب هو “جامع المبادئ والغايات في علم الميقات” لعالم الرياضيات أبي علي الحسن بن عمر المراكشي؛ الذي ألفه ابن ماجد حوالي عام 627 هـ الموافق لـِ 1220 م، فيقول أسد البحار في كتابه “الفوائد في أصول علم البحر والقواعد”: “بل إنّا نقول للمعالمة ونُعرّف الغافلين منهم ونَدُلّهم على الكتب الكبار التي لم تتم صَنْعتُهم إلا بها مثل كتاب المبادئ والغايات تصنيف رجل مغربي من أهل مراكش”.

فماذا يُستخلص من هذه الحكاية التي فيها القليل مما هو مُتخيل؟

  •  أولًا: عندما تُصنف أفكار المؤلف على الورق وتتخذ شكل كتاب؛ فيرى النور بعد أن كان حبيس المسودات والسراديب والرفوف الغبراء؛ فلا عائق يحول بينه وبين وصوله إلى جمهور القراء من العلماء والطلبة وغيرهم؛ سواء في عصر أوج الكتاب المخطوط والمكتوب بالحرف وباللغة العربية، أو بحروف (غوتنبركَ) المتحركة فيما بعد.
  •  ثانيًا: اللغة العربية والخط العربي اللذان يؤلف بهما الكتاب؛ هما ما أُنزل بهما الوحي، وأول ما يحفظه الصبية المسلمون، ويُجوّدونه على يد شيوخ العلم الشرعي هو كتاب الله عز وجل، ويؤهلهم آنذاك إلى ارتياد جوامع العلم والمعرفة، والتي اصطلح عليها فيما بعد بمراكز نقل الثقافة.
  •  ثالثًا: ومن ثم فما كتبه أبو علي الحسن بن عمر المراكشي وهو من أقصى الغرب العربي الإسلامي، حيث بلاد مراكش، وحيث جامع القرويين؛ أقدم جامعة في العالم؛ حسب ما أقره الغربيون أنفسهم؛ ليس عسير الفهم على الربان العربي ابن ماجد الذي يطلق عليه أسد البحار وهو في أقصى الشرق الإسلامي، وما يُستشف من هذا هو جمالية وبلاغة اللغة العربية التي فُتن بها حتى غير العرب والمسلمين من المستشرقين، ذات الجملة المركبة من كلمات فيها الفاعل والفعل والمفعول به والمفعول فيه والحال وهلم جرا؛ لاركاكة فيها، فأسلوب اللغة العربية صاف ينفذ إلى باطن النفس، فيُطربه ويمتعه إفادة، لأن مصدره تلك الجملة المحكمة البناء الواردة بالقرآن الكريم، وهي كلام الله سبحانه وتعالى، وفي خطابه ما يمرِّنُنا على القول السديد والطيب، لا غلظة فيه، فتأمل هذه الآية وهي الخامسة من آيات سورة (الصف): «وإذ قال موسى لقومِه يا قوم لمَ تُؤذونني وقد تعلمون أنّي رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين»،  نداء عفيف اللسان؛ يقع على القلوب المتحجرة، فيُذيب قساوتها ويُحيلها إلى ما فُطرت عليه من إيمان يتراحم به بنو آدم عليه السلام.
  •  رابعًا: حب المعرفة الذي يملأ قلوب أهل لغة الضاد، فقد سافر كتاب (جامع المبادئ والغايات في علم الميقات) على ظهور الجمال والخيول، يطوي في تنقله الصحاري والسهوب والجبال والسهول، وعلى متن السفن والقوارب؛ يتأرجح بمياه البحار والمحيطات والأنهار الجَلِبة؛ لا يحول بينه وبين وصوله إلى حيث كُتب له أن يصل حائل، وقد ألح الطالبون المتعطشون للعلم والمعرفة في طلبه.

أليس هذا كفيل بأن تُبعث أمجاد تلك الحضارة وعلومها الناطقة باللغة العربية والمكتوبة بالخط العربي، والرقي بها، التي ترامت أطرافها شرقًا؛ في ذلك الامتداد الواسع للقارة الآسيوية، وغربًا في ذلك الامتداد الواسع للغرب العربي الإسلامي، وجنوبًا في صحراء وسهوب وأدغال إفريقيا السوداء، وشمالًا في فجاج أوروبا وأوديتها وسهولها وهضابها الخصيبة؟

هل باستطاعة أهل لغة الضاد، ومن يكتبون بها ويؤلفون ويُدرِّسون، ومن يتعلمها من غير العرب؛ من جُنوس وقوميات أخرى؛ أن يحافظوا على استمرار وجود اللغة العربية، ويردون على من يتنبأ بمآل لا يُطمئِن؛ أقوالهم التي لا تستند على أي تصور ثقافي وحضاري سليم، فأصل اللغة العربية يضرب بجذوره في عهود أمم قديمة، وأصل الحرف العربي ليس تركيبة مخبرية تُفرض فرضًا، فأصله يرجع إلى الحرف الأوغاريتي (نسبة إلى أبجدية أوغاريت القديمة المكتشفة بسوريا الحالية)، والذي تطورت عنه أيضًا العبرية واليونانية واللاتينية.

اقرأ أيضاً: تأشيرة النفاذ للعقول: هل اللغة ثوب الفكرة أم جسمها الحقيقي؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد القاسمي

حاصل على شهادتين جامعيتين من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، بالرباط (المغرب)، في الجغرافية (1990م), وفي التاريخ من نفس الجامعة (2016م)، يكتب في القصة القصيرة وفي الرواية وفي المقالة، أصدر مجموعتين قصصيتين، ورواية، وكتاب في سيرة مهنية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق