علوم وصحة

هل يمكن تشابه أحد الأبناء مع جيل الأجداد؟.. نظريات التطور تجيب

تقدم الأفكار التطورية مجموعة من المفاهيم، وهي تشير إلى عمليات طبيعية يمكن في ضوئها تفسير التنوع الحيوي، والخصائص التي تجعل الكائنات الحية قادرة على التكيف في مختلف مستوياتها.

أول مفاهيم الأفكار التطورية هي “الطفرة”؛ حيث يحتوي الجينوم البشري على 3 مليار حرف قاعدي. وفي كل مرة تنقسم فيها خلية يتعين عليها مضاعفة محتوى الدنا (DNA) الموجود لديها. وكل حرف ينسخ بدقة تصل إلى حد المعجزة، بحيث يعاد إنتاج النسخة الأصلية بنسبة خطأ قدرها حرف واحد في كل مليون. الأمر يشبه أن تقوم طابعة بنسخ مجلد ورقي يحتوي على 3 ألف مليون حرف، ولكن في لحظة ما تعاني الآلة من تردد في النسخ فتخطئ بإحلال حرف مكان آخر.

وهكذا فإنه لا توجد نسخة دنا مطابقة للأخرى بالكامل، ورغم الدقة المهولة التي ينسخ بها الدنا، إلا أن حجمه الهائل يجعل كل جيل مختلفًا عن الجيل السابق بسبب الطفرات “الموضعية” والتي عادة ما يكون تأثيرها طفيفًا من الناحية التطورية.

وفي المتوسط، يتباين البشر بمعدل حرف واحد كل ألف حرف أو نحو ذلك، أي ما يصل مجموعه من 6 إلى 10 ملايين اختلاف في الحروف الفردية في الجينوم البشري وهي كثيرة الصور. مما يجعل لكل فرد “بصمته الوراثية”، وإن كان تأثيرها التطوري طفيفًا إلا أنها مهمة للغاية للمحققين الجنائيين وكذلك لعلماء الوراثة.

قوة الأفكار التطورية الثانية هي الانتخاب، وتحديدًا الانتخاب الطبيعي Natural selection، والتي تعد أهم العمليات التطورية التي تؤثر على بنية الكائنات ووظيفتها وسلوكها. والقوى الانتقائية تعمل على التنوع الفردي في خصائص التجمع الإحيائي، مما يؤثر على قدرة الفرد على البقاء والتكاثر، وغالبية هذا التنوع يرجع إلى وجود مكون وراثي، فخصائص كل جيل تختلف عن الآخر بفعل الطفرات.

فإذا كان هناك تغير “محايد” من المنظور الانتخابي؛ بحيث أنه في المتوسط لا يوجد أي اختلافات في البقاء أو الخصوبة بين شتى أفراد النوع، لا زال من الممكن أن يختلف جيل الأبناء عن الآباء على نحو طفيف؛ سبب هذا أنه في غياب الانتخاب الطبيعي، تكون الجينات الموجودة في تجمع الآباء بمنزلة عينة عشوائية لجينات التجمع الأبوي.

ومن ثم سيختلف تجمع الأبناء بفعل المصادفة عن الخاص بجيل الآباء بدرجة ما، تمامًا مثلما لا نتوقع الحصول على الصورة خمس مرات والكتابة خمس مرات عند إلقاء عملة عشر مرات. يطلق على عملية التغير العشوائي هذه “الانحراف الوراثي”.

هذه الأفكار التطورية والتي تتضمن عدة آليات هي بمثابة عجلات التغير التي تدفع العملية التطورية قدمًا.

اقرأ أيضًا: بعض المشكلات النظرية في علم البيولوجيا “الاكتشافات البيولوجية والنماذج الرياضية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق