ثقافة وفنون

هل هي ثقافة أم وهم؟

افتتح اليوم معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الخمسين، وبغض النظر عن الجدل المثار حول المعرض هذا العام، إلا أنه يبقى أكبر تظاهرة ثقافية تحدث في مصر، ويبقى حدثا هاما في الحياة العامة المصرية، حيث يستقبل المعرض في كل عام ما يزيد على المليون زائر، ويباع فيه ما يقرب من مليون كتاب، وهي أرقام كبيرة لها دلالتها في عالم الثقافة والقراءة، وقد أصبح من الملاحظ في السنوات الأخيرة، زيادة إقبال الشباب على القراءة بصورة كبيرة، وزيادة عدد دور النشر، وعدد الكتب المطبوعة سنويا، وكذلك عدد الكتاب خاصة من فئة الشباب.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل كل ذلك دليل على وجود حالة ثقافية حقيقية في المجتمع أم أنها حالة وهمية أو موضة منتشرة ؟ 

وقبل أن نجيب عن هذا السؤال نقول، إن هذا الاتجاه المتزايد للقراءة لدى الشباب أيا كانت دوافعه أو سلبياته، فهو شيء جيد وإيجابي، ويجب أن يدعم ويتم البناء عليه، لذا  فإننا نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على بعض تلك السلبيات، ليتم العمل على علاجها، ومساعدة الشباب على الاستفادة بأكبر صورة ممكنة، وتشكيل حالة وعي حقيقية تنعكس بدورها على المجتمع.

ومن الملاحظ أن تلك الموجة الثقافية لدى الشباب تأخذ اتجاهات معينة كل فترة، فقد بدأت هذه الموجة في مطلع هذه الألفية، بكتب ما يسمى بالتنمية البشرية، وتصدرت تلك الكتب نسب المبيعات، وزاد الاهتمام بها، نظرا لما تقدمه من التحفيز والكشف عن الطاقات الكامنة في الانسان، ومساعدته على إكتشاف ذاته.

 إلا أن تلك الكتب في الحقيقة لا تشكل فكرا، ولا تبني ثقافة، ولا تقدم معلومة مبنية على أساس علمي، وإنما هي جرعات تحفيزية، واجتهادات فردية، لا تكفي وحدها لتغيير الواقع، ولا تضيف شيئا للبناء المعرفي للإنسان.

ثم تغير الأمر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، فاتجه أغلب القراء إلى الكتب السياسية والتاريخية والإجتماعية، تماشيا مع الحالة العامة في المجتمع، والحراك الحادث فيه.

إلى أن تغير الأمر مرة أخرى منذ عدة سنوات،  وأخذت الرواية في الصعود، وصار لها جمهور كبير من الشباب والمراهقين، وسيطرة الرواية على نسب توزيع وقراءة الكتب، وظهر العديد من الكتاب الشباب، واكتسب بعضهم شهرة واسعة، بل وزاد الأمر بصورة كبيرة فأصبحت دور النشر تصدر عشرات الروايات سنويا، وأصبح الأمر يصل إلى درجة الظاهرة، الأمر الذي يجعلنا نقول أن هذه الموجة الثقافية الشبابية هي بالفعل موجه وهمية، وموضة شبابية ليس إلا، وإن كنا لا ننكر وجود اتجاه صاعد من الشباب الذي يحمل ثقافة حقيقة، ويسعى للقراءة بشكل واع ومنظم، إلا أننا أصبح لدينا أجيال كاملة تقرأ بكثرة ولكن في لون واحد، أجيال تعيش في وهم الثقافة، فهم قارؤون ولكنهم سطحيون.

 و نحن لا ننكر أهمية الرواية في تنمية الخيال والذوق والحس، وفي التعامل مع قضايا إنسانية واجتماعية ونفسية هامة، ولا نقلل منها كلون أدبي هام، وإنما ننكر الاقتصار عليها فقط، و جعلها هي المصدر الأول والأخير للمعرفة، لأن ذلك لا يخلق فكرا حقيقيا، ولا مثقفا فعليا.

وكذلك من ضمن السلبيات التي يجب النظر إليها باهتمام والتصدي لها بقوة، أن الأمر أصبح منفلتا بصورة كبيرة، وأصبح أغلب ما يقدم من تلك الروايات دون المستوى، وضعيف من الناحية الأدبية والفنية، وركيك في الصياغة،  ومبتذل في الأفكار، وتحول الأمر  إلى حرفة أكثر منه إبداعا، وإلى تجارة أكثر منها رسالة، فدور النشر تكثف عرض ما يستحق وما لا يستحق، والكتاب الجدد يكتبون ما يثير الشباب ويستهويهم لتحقيق الانتشار، وبعض تلك الروايات أصبحت تقدم قيما فاسدة، أو أفكارا شاذة، أو تهدم ثوابتا وتتجرأ على مقدسات، أو تقدم مستوى مبتذلا وألفاظا ركيكة. فلا رقابة على ما ينشر ولا تدقيق لما يكتب.

كل تلك الظواهر السلبية في حياتنا الثقافية تضع مسؤلية كبيرة على المجتمع بكافة مؤسساته وأجهزته ومثقفيه، للقيام بمزيد من الدراسة والبحث حول تلك الظواهر، ووضع الخطط للتصدي لها.

حيث يجب أن لا تترك عملية القراءة والموجات الثقافية الحادثة في المجتمع لتتم بصورة عشوائية، أو تظل متروكة لمزاج المجتمع وأحواله، أو للموضة السائدة والتقليد، أو لتأثير دور النشر والدعاية والتسويق، وإنما يجب التدخل، وإحداث التأثير الإيجابي، بمقاومة الاتجاهات السيئة وتدعيم الاتجاهات النافعة، فالمجتمعات المتقدمة توجه وعي أبنائها واهتماماتهم وقراءاتهم إلى ما يناسب احتياجات المجتمع وقيمه.

كذلك لابد أن يكون هناك رقابة وتوجيه لما ينشر، وأن لا يكون الأمر فوضويا، فيجب التدقيق فيما ينشر من ناحية صياغته الأدبية ومستواه الفني، وأيضا من ناحية ما يحمله من قيم وأفكار.

حتى لا نترك أبنائنا عرضة لكل ما يقدم لهم من أشياء، قد يكون فيها ما هو ضار وسيء، وإن كنا لا ندعوا للحجب والمنع، وإنما ندعوا للرقابة والتوجيه، وتدعيم المواهب الحقيقية،  وإبراز الكتابات المفيدة والجادة، و أن تتضافر جهود الجميع لخلق وعي حقيقي، وأجيال مثقفة وفاعلة، فصناعة الفكر شيء هام وخطير، يستحق منا العناء ويستوجب علينا البذل والعطاء .

كرم التركي

باحث في العلوم الانسانية والاجتماعية وكاتب ومدون أسعى أحب الحياة واعشق المعرفة ومؤمن بقوة الكلمة وتأثيرها وأن الكتابة رسالة لابد أن نؤديها اعشق الحرية وأكره القيود وأحب العمل الجاد ومستعد أن أضحي في سبيل ما أؤمن به احب العمل الجماعي واتميز داخل الفريق.

تعليق واحد

  1. بشكرك جداً إنك أثرت الموضوع دا؛ لإن فعلاً كل من هب و دب بقى يكتب و مفيش لجنة ثقافية أو لغوية بتراقب؛ و أغلب الشباب دلوقتي بقى يقرا روايات و فاكر إنها قمة الثقافة و سايب الكتب المهمة اللي ممكن تكون منه مثقف حقيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى