مال و أعمال

تأثير النظام الرأسمالي على حياتنا.. هل هو استثمار أم عبادة للمال؟

تعس عبد الدينار.. تعس عبد الدرهم”
لم أرى أفضل ما يمكنني أن أبدأ به مقالتي إلا هذه المقتطفات من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي إشارة عميقة وبالغة تصور وضعًا نعيش فيه منذ فترة، منذ بزوغ النظام الرأسمالي المتوحش والذي طغى على كل القيم التي لا ينبغي أن نغفل عنها.

وحتى أكون منصفاً، المال فتنة كبيرة للغاية، وكل البشر يسعون للحصول عليه وجمعه واكتنازه، وهذا في حد ذاته ليس محرمًا ولا مجرمًا؛ فالله تعالى يقول “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، وبالتالي ليس في جمع المال واستثماره أي شبهة حرام ما دام جمعه من حلال وبالطرق المشروعة، وبالتأكيد جميعنا يحب المال، ولكن حب المال لابد أن يكون حبا معقولًا؛ لأن الغاية ليست جمع المال، وإنما الغاية هي جمعه لإنفاقه في أوجه الحياة.

المال في حد ذاته لا قيمة له، وللتدليل على ذلك؛ فإنك لو كنت مفقوداً في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، وكانت معك كنوز الدنيا، فلن تكون لهذه الكنوز قيمة إن لم تنجو مما أنت فيه، ولو أن الطعام انقطع من العالم كله، وامتنعت الأرض عن إخراجه ولم تكن هناك وسيلة متاحة لاستجلاب الطعام، فهل سنأكل المال؟ هذه الحقيقة ليس مبالغًا فيها وليست ادعاء مني بالزهد، ولكن بالفعل المال لا يشكل قيمة بذاته، وإنما بما نستطيع أن نستجلبه به.

حسنا؛ دعني أخبرك بأمر، تخيل أن ابنك مريض بمرض ليس له علاج، وكان معك من المال الكثير، وتكبدت العناء والنفقات إلى الأطباء وغيرهم للحصول على علاج، ولكن للأسف لم يسعك أن تعالج ابنك، فهل ترى أن للمال قيمة في مثل هذه الحالة؟ بالتأكيد لن تكون له قيمة.

ونحن الآن نحيا بين طيات اختبار عصيب للرأسمالية المتوحشة؛ التي ظهر بعض من أنصارها ممن زادت أموالهم في حقبتها، كأنهم رجال أعمال لديهم بعد إنساني؛ يتبرعون ويدعمون الاقتصاد الوطني كما يزعمون، ويدعون سعيهم لخلق فرص عمل ومساعدة الشباب بعمل مشروعات إسكان لهم -على خلاف الحقيقة – وغير ذلك من أوجه إنسانية؛ لم تكن إلا لأغراض دعائية وسياسية ولزيادة الأرصدة في البنوك، كما أن غير الشرفاء لم يسلكوا إلا الطرق الملتوية لجني ثمار الرأسمالية الحمقاء، التي اختزلت عناصر الإنتاج بيد حفنة من رجال يقولون عن أنفسهم بأنهم رجال أعمال، ولكن بعضهم في الحقيقة هم رجال نهب الأموال.

ومن هذه العناصر التي استحوذوا عليها العنصر البشري، الذي ذاق مرارة نظام جائر، دفع بهذا العنصر إلى أن يكون آلة يستبيحها رجل نهب الأموال بلا رحمة، حتى يجني ثمار الرأسمالية الفحشاء، تزيد أرصدته بالبنوك وتنقص على إثرها الصحة العقلية والنفسية والجسدية للعنصر البشري.

منذ زمن بعيد وأنا أرى أن النظام الرأسمالي لن يكون إلا لصالح القليل ممن لديهم القدرة على التلاعب والمراوغة، أما الأسوياء الشرفاء الراغبون في استثمار عقولهم وقدراتهم البدنية لصالحهم، فهذا أمر صعب المنال، لأنه لن تتاح لك فرصة أن تخرج عن مسار القطار، ولن تتمكن من التوقف عن الركض بأقصى سرعة؛ لأنه وراءك يسير بأقصى سرعته ليصل إلى ما لا نهاية حيث يحلم رجل نهب الأموال بالثروة، فلن تكون لك فرصة للخروج عن ذلك، متطلبات الحياة، رغبتك في الزواج، مصاريف الأبناء، أقساط الشقة، وعدد ما شئت، فنحن في مصر بل في العالم العربي نشكل ثروة بشرية كبيرة، والمعروض من العمل محدود، والراغبين في العمل كثيرين، هذا في كل المجالات، فالكلمة التي ستقال لك إن ناقشت، ناقشت فقط (مش عاجبك امشي).

اليوم ونحن بين وباء تفشى في كل العالم، ولم تسلم منه أقوى اقتصاديات العالم، ظهر معدن النظام الرأسمالي وكان الغالب على أكثرهم مقولة لتبقى أموالنا ويذهب من يذهب، ثم يصححون قولهم -والنيات تبقى على ما هي عليه – نحن حريصون على اقتصاد بلادنا!

ولكي أكون أكثر إنصافاً؛ بزغ من بين هؤلاء الشرفاء الذين قالوا بكل وضوح، المال ممكن أن يعود مرة أخرى، لكن الأنفس التي تزهق لا يمكن لها العودة.

ليت شباب بلادي وأمتي العربية وشباب العالم أجمع أن يستثمروا قدراتهم ويكونوا أحراراً بعقلهم وجهدهم فيعملوا لجمع المال، ثم استثماره ليكون عائد جهدهم عليهم بحق.

 

قد يهمك أيضًا : هكذا فتحت أزمة وباء كورونا الطريق أمام التجارة الإلكترونية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق