مدونات

هل هناك مفهوم واحد للحداثة؟

إذا أردنا البحث عن مفهوم واحد وموحد للحداثة، فلا يمكن على الأرجح أن نجده؛ نظراً لكون مفهوم الحداثة له معاني مختلفة حسب مدلول كل فئة من الفئات، فهناك من يربط الحداثة بالتاريخ، وهناك من يربطها بالتجديد، وهناك من يربطها بالمكان والحيز الجغرافي، أي الثقافة والشعوب.

فمفهوم الحداثة في علاقته بالتاريخ؛ نجد أنه بالنسبة لهم هو التطور الذي يعرفه الزمن، فكل شيء كرونولوجيا يكون حديثاً مقارنة بالشيء الذي سبق، أي أنه التجديدات التي تحدث في ما بعد هي التي تكون أحدث، فالعصر الحديث أحدث من العصر القديم على سبيل المثال، والعصر الذي يشهد عصرنة هو أحدث من العصر الذي يسبقه وهكذا دواليك، فهذا المقصود إذا بالحداثة حسب التاريخ.

أما بالنسبة للحداثة حسب التجديد، فإن كل شيء يكون حديثاً عندما يتم تجديده، أي تطويره، على سبيل المثال، نرى الثقافة العربية في يومنا الحالي ثقافة يمكن أن نقول عنها أنها أخذت طابعاً حداثيًا؛ نظراً لكونها تجددت، وتغيرت المفاهيم، وتحول نمطها إلى شكل آخر على المستوى الفكري والثقافي، فهذا المقصود بمفهوم الحداثة حسب التجديد.

وهناك حداثة أخرى حسب البعض الذي يميز الثقافات والحيز الجغرافي، إذ يعتبر الغرب أكثر حداثة من العالم العربي والأفريقي، وهذا الذي يقصد به حيز المجال، أي يعتمد الزمن، فليس بالضرورة أن تكون أوروبا حديثة حسب الزمن، لكنها حداثية حسب المكان؛ أي أن العالم الأوروبي هو الأكثر حداثة مقارنة بنظيره العربي، ويتوفر على مميزات ثقافية واقتصادية وعلمية هائلة وضخمة، وأنماط عيش متطور جداً، وظروف تسمح بالقول أن ذلك العالم يعيش بشكل أكثر تطوراً، ما يسمح له أن يكون ضمن دول العالم الأول مقارنة بدول العالم الثالث، أي الدول النامية والمختلفة، فلذلك الحداثة حسب المجال الجغرافي مفهوم فرض نفسه ضمن المفاهيم المتعلقة بالحداثة.

هذه إذن هي الصعوبة التي وجدها مجموعة من الكتاب في ما يخص إيجاد مفهوم واحد للحداثة، فلا يوجد مفهوم واحد للحداثة وإنما توجد عدة مفاهيم حسب كل منطق، وحسب كل رأي، ينطلق كل من المفكرين من زاويته الخاصة ليحدد لنا هذا المفهوم، سواء بربطه إما بالتطور، وإما بالتجديد، أو من حيث المجالات الجغرافية، أو التغير الزمني، فلا يمكن أن نجد مفهوماً واحداً لمصطلح الحداثة، لذلك فلابد من إيجاد هذه المشكلة في كل وقت نريد أن نحدد فيه تعريفاً مناسباً لهذا المفهوم.

إن الحداثة سواء ارتبطت بالفكر أو بالحيز الجغرافي أو ارتبطت بأي شكل آخر حسب المنطلق الذي ينطلق منه كل فريق مفكر، وخلاصة الأمر وما يجب أن نؤول إليه في نهاية المطاف هو كون العالم العربي يواكب هذه الحداثة بشكل مستحسن وإن كان متباطئًا نوعًا ما، إلا أننا يمكن أن نتفائل خيراً عندما يمكن أن يحصل مستقبلاً؛ نظراً لكون المجتمعات تواكب هذه التطورات شيئاً فشيئاً بالرغم من تواجد بعض العراقيل، خاصة على مستوى النمط الفكري لدى البعض، والذي يشكل نوعًا من الاحتكاكات المضادة لحركة المضي قدمًا نحو هذه الحداثة بمختلف مفاهيمها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى