سياسة وتاريخ

هل هناك أسمى من قاضٍ يحكم بالعدل؟

قاضِ يحكم بالعدل .. حوادث في الحياة قد تشدنا بغرابتها، معاقبة سارق سرق خبزة لأكلها، وبائعة خبز على الطريق العام تمنع من البيع ويلقى ببضاعنها في الطريق العام، فقير معدم يسرق دواء لإنقاذ ابنه من الموت. لا أدافع عن السارق بل أتناول الموضوع من الوجهة الإنسانية لا غير  واستأنس بذلك ببعض الوقائع والمواقف.

القاضي الكندي وسارق الرغيف

أورد قصة قاضي كندي جلس يحكم بأحد محاكم كندا على رجل عجوز قام بسرقة رغيف خبز وقد أعترف العجوز بالسرقة أمام القاضي وما نكر فعلته وقال : “كنت اتضور جوعًا، وأحسست أن الجوع يأكل في بطني وكدت أن أموت”.

هنا تحركت إنسانية الإنسان لدى القاضي العادل وشعر بأن الرجل ظلمه الفقر والفاقة شعر بأن الذي يجب أن يعاقب من تركه جائعًا ليسرق.

قال القاضي للمتهم :”أنت تعرف أنك سارق وسوف أحكم عليك بدفع 10دولارات وأعرف أنك لا تملكها لأنك سرقت رغيف خبز لذلك سادفعها عنك”.

نظر القاضي إلى الحضور ثم وقف وقال: “محكوم عليكم جميعًا بدفع 10دولارات لأنكم تعيشون في بلدة يضطر فيها الفقير إلى سرقة رغيف خبز”، يومها تم جمع 480دولارًا من الحضور أعطاها القاضي إلى العجوز الفقير.

بائعة الرغيف

الواقعة التي انتشرت صورتها  هي ليست لسارقة رعيف بل لبائعة رغيف بدون رخصة. واقعة القاضي الكندي إذا ما تم مقارنتها ببائعة الخبز تجعلك تشعر والحادثة في بلدي العزيز تونس تشعرني بكثير من الألم والخجل لغياب روح الإنسانية لدينا.

الفرق بيننا و بين القاضي الكندي يتمثل في أن الرجل عندما تقلد المسؤولية تقلدها لخدمة مجتمعه فهو يعيش معاناته مع احترامه للقانون وعدم التجاوز. أما القاضي الكندي لم يخرق القانون رغم معرفته أن السرقة تمت بدافع الحاجة للبقاء على قيد الحياة، التزم بحكمته وإنسانيته، فاحترم سيادة القانون، و في المقابل كمسؤول وكإنسان أحس بضعف المواطن أمامه، لم يهنه بل نفخ فيه روح الإنسانية والحب والعطف و أعاد له اعتباره وكرامته فدفع عنه الغرامة.
قاضي عظيم طبق القانون وأنصف المواطن الفقير وأعانه ليتغلب على فقره. قاضٍ يحكم بالعدل.

والقاضي المنفلوطي حكاية أخرى

كتب المنفلوطي في كتابه النظرات تحت عنوان المجرمون، حكاية عن قاض مرتش فقال:”حضرت مجلسًا من مجالس الأحكام حكم فيه قاض مرتش على متهم سرق رغيفًا فوضعت يميني على فمي مخافة أن يخرج أمر نفسي من يدي فاهتف صارخًا لما ألم بقلبي من الرعب والفزع صرخة تدوي بها جوانب القاعة دوي الموج الثائر في البحر الزاخر قائلًا مهلًا ورويدًا أيها الحاكم الظالم فأنت إلى قاض عادل تقف بين يديه أحوج منك إلى كرسي فخم تجلس عليه ولو عدل القانون بينك وبين هذا الماثل بين يديك لبت وأعلاكما الأسفل”

عمر وسارق الرغيف

وفي عدل عمر درس وقدوة فعلى أي قانون نتحدث في هذا العصر الغريب، أصاب المسلمين قحط وحبس المطر في عام ثمان عشرة من الهجرة، وسمي ذلك العام عام الرمادة اجدبت الأرض وماتت الماشية وأكل الناس ورق الأشجار وسرق الناس من أجل العيش.
وعرف أن القران الكريم نص على قطع يد السارق أو السارقة، إلا أن عمر لم يطبق القانون على السارق وقال مقولته الشهيرة:”كيف أقطع يدا امتدت لرغيف خبز يمتع صاحبه من الهلاك “أجل إنسانية عمر ومعرفته لقيمة الحياة وفهمه لروح النص قبل حروفه وجوهره قبل ظاهره. كما قال :”ما كنت قاطع الناس حتى أشبعهم”. وهكذا كان عدل عمر بمثابة قاضٍ يحكم بالعدل.

إن المشكل في عصرنا الحالي أننا أصبحنا نطبق قوانين وأوامر ونعتقد أننا أعطينا حقوق الناس وأقمنا العدل، والواقع العكس هو الصحيح والسبب اننا نطبق القانون بدون انسانية. يقول رسول الله :”أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”.

اقرأ أيضًا: أزمة القيم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق