علوم وصحة

هل نمتلك إرادة حرة؟ وهل تتحكم فينا الجينات ؟

عام 1975 نشر إدوارد ويلسون كتاب “علم الأحياء الاجتماعي” الذي يشرح فيه ببراعة السلوك الاجتماعي للحيوانات، ومنها البشر. وقوبل هذا الكتاب بمديح كبير ولا زال يحظى بتقدير عظيم. وفي الفصل الأخير من الكتاب يسوق ويلسون تكهنات حول الأسس الوراثية للأنماط السلوكية البشرية. ويضع محددات وراثية لسلوكيات الضغينة والعدوان والمثلية والغيرية.. إلخ. وكلها لا تقوم على أي دليل، فقط افتراضات وحجج غير مباشرة (مثل سلوك القردة). وسرعان ما تم تبني تلك الافتراضات كحقائق وشيد صرح من الدراسات تأسيسًا عليها. ولكن لا يوجد أي دراسة تثبت وجود الجينات المسؤولة عن تحديد نمط محدد من السلوك. وعادةً يتم دراسة سلوك القردة وتعميمه على البشر بشكل شبه قطعي.

إن ما يميز الإنسان هو الدماغ الكبير ذي التوصيلات العصبية المعقدة. هذا الدماغ مشفر في الجينوم، لكن ما يحدد كيفية ترابط التوصيلات العصبية هو التعلم. وإحدى أعظم التغيرات قاطبة في تاريخ الحياة على الأرض كانت تحول عضو مبرمج وغير مرن إلى عضو قابل للتغير كبديل للتعلم الموروث جينيًا، وتوظيفه في علاقات اجتماعية وبيئية، لدرجة بإمكانه إنشاء أنماط سلوكية غير تكيفية. فالدماغ يتيح لنا أن نكون عدوانيين ومسالمين بنفس القدر، بمعنى أنها صفات بيولوجية تشكل نمطًا فرعيًا من مجموعة ممكنة من السلوك. وأنا هنا لا أقدم “حتمية بيئية” مقابل “حتمية بيولوجية” بل إمكانات بيولوجية إزاء “الحتمية البيولوجية”.

وهنالك استنتاجات علمية حديثة حول تأثير المحفزات الاجتماعية على التعبير الجيني للدماغ، والعكس. أي أن هناك تأثيرًا متبادلًا ومنعكسًا بين الاتجاهين. فالمعلومات الاجتماعية يمكن أن تؤثر على السلوك والدماغ من خلال تأثيرها على التعبير الجيني. فالاستجابة لمحفزات اجتماعية قد يشمل عددًا ضخمًا من الجينات بشكل متزامن (كما اكتشف لدى بعض الحيوانات الاجتماعية). وبعض هذه التغيرات يكون دائمًا. إن تأثير الجينات على السلوك يخضع لتسلسل تنظيمي وإحصائي شديد التعقيد، ولا يمكن أن يكون تشفيرًا ميكانيكيًا لنمط سلوكي معين.

انظر الدراسة التالية: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3052688/

ليس هناك حرية إرادة بالمعنى الفلسفي، فنحن محكومون بالتبعية للوسط البيئي الذي نستمد منه التنظيم والطاقة، ومحتوانا الوراثي، والدماغ الذي هو نتاج صيرورة وراثية. ومن خلال التفاعل المعقد بين هذه التبعيات فإن الكائن البشري يستمد استقلالية عقلية من نوع ما تتيح له إعداد استراتيجيات بواسطة البدائل المتاحة.

غالبًا ما يقع العامة، وحتى الصحف العلمية وربما بعض العلماء بوهم الاستعارات التي تربك الفهم الصحيح للنتائج العلمية. ومن هذه الاستعارات “الجين الأناني” و”جينات الذكاء” وغير ذلك. وهنا ينبغي إيضاح بضعة نقاط مهمة:

  • الجينات هي الوحدات العضوية الحاملة للمعلومات وليست المعلومات ذاتها.
  • الحمض النووي ليس مستقلًا عن البنية الحيوية، بل يتفاعل معها ويرتبط بها في علاقات بيوكيميائية ويتأثر بالوسط الذي يتفاعل فيه.
  • لو افترضنا أن “الجينات الأنانية” هي محض استعارة مجازية وليست إشارة وصفية، فإن العلماء لا يملكون أي فكرة عن جينات مسؤولة عن الذكاء أو الفهم أو حتى اللغة، فإننا نعرف أن جينًا ما يرتبط بالنشاط اللغوي على سبيل المثال، لكنه ليس مسؤولًا حصريًا عن نشوء اللغة.
  • النشاط الإحصائي للتنظيم الحيوي الذاتي يتيح أنماطًا متعددة من السلوك تبعًا لمحفزات بيئية.
  • المعلومات المشفرة في الجينوم هي التجارب التطورية الناجحة لسلالتنا والتي تتجاوز زمانيًا ظهورنا كنوع ذو خصائص مستقلة.
  • الدماغ البشري له أسس مشفرة في جيناتنا، لكن البيئة والوسط الذي ينمو فيه الفرد له تأثير حاسم في تطور التوصيلات العصبية التي تمنحنا نشاطًا إدراكيًا وذهنيًا.
  • هكذا تكون أنشطتنا هي نتاج تبعية وراثية وفيزيولوجية ودماغية، تتيح لنا تطوير استراتيجيات واختيار بدائل محتملة كاستجابة لمؤثرات خارجية.

في النهاية، الجينات ليست المسيطر على الكائن الحي، بل الذاكرة والتجربة والمعلومة المدونة في جيناته. أسيادنا هم أسلافنا الذين جعلونا أحياء رغم وفاتهم، وجعلونا إنسانيين ومفكرين وقادرين على اتخاذ قرار.

اقرأ أيضًا :

تطور تنظيم النشاط البشري من شعوذات السحر إلى آفاق العلم

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق