سياسة وتاريخ

هل نحن في خضم حرب عالمية صامتة؟

هذه الحرب بدأت رسميًا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

هذه الحرب بدأت فعليًا بانتشار فيروس كورونا في يوهان الصينية.

هذه الحرب تجلت ملامحها في كلمة الرئيس ترامب الذي منع جميع الاتصالات الجوية والبحرية والتجارية مع أوروبا باستثناء حليفته وأمه بريطانيا.

قد يتساءل البعض ويقول: كورونا يكتسح كل العالم حتى أمريكا، فما مصلحة أمريكا وحليفتها من كل هذا؟ الجواب يكمن في الصدمة، صدمتك في تلقي ضربة لا تتوقعها، ليست هي صدمتك في تلقي ضربة تعرف متى تبدأ، وكيف بدأت، وما أهدافها، انطلاقًا من هنا يمكن تقسيم الدول في خضم أزمة كورونا إلى ما يلي:
– دول خلقت الصدمة.
– دول كانت تعلم بالصدمة.
– دول مستهدفة بهذه الصدمة.
– دول خارج إطار الصدمة.

الدول أو الدولة التي خلقت الصدمة هي دولة قوية بإمكانياتها الاقتصادية والحربية والتكنولوجية، وهي دولة ترى أنها على امتداد بضع سنوات ستفقد زعامتها؛ لهذا تقوم بإجراء استباقي، وهو إفشال وتجميد جميع الروابط الاقتصادية العالمية بشكل فجائي، وخلق صدمات لا تنجو فيها الا الاقتصادات التي تصحو مبكرًا بعد زوال غبار تلك الصدمات، وهنا أنتم تعلمون أن من يطفئ نور بيت ما، هو الأعلم بطريقه، من ذلك الذي يجد نفسه فجأة في ظلامٍ دامسٍ.

اقتصادات أوروبا على الخصوص ستجد نفسها فجأة في ظلام اقتصادي دامس، أوروبا باستثناء بريطانيا لم يتم إعلامها بهذه الصدمة الكورونية، لهذا ينتشر الوباء فيها بسرعة، خاصة أوروبا الغربية التي كانت محسوبة فيما مضى على واشنطن، محاولةً خروج الاتحاد الأوروبي منذ مدة عن الوصاية الأمريكية، وهو الخروج الذي جعل الاتحاد يتخير حلفاءه دون إرادة واشنطن، هو فعلًا خروج لا يغتفر لدى أمريكا، أن تخرج أوروبا بما لها من حمولة وثقل عن أيدي أمريكا، وتذهب إلى حضن الدب الروسي، أو تحتمي بنيران التنين الصيني، هذا يعني أن هذا الخروج إن استمر، فزعامة أمريكا العالمية ستنتهي على عجل لا محالة.

هي محاولة إذن لإعادة أوروبا الغربية تحت الوصاية الأمريكية، فهل ستستجيب أوروبا؟ أم تقاوم؟

إذن الدول المقصودة أو المستهدفة بالصدمة هي دول الاتحاد الأوروبي على الخصوص والصين وروسيا أيضًا، غفوة الصين الاقتصادية في إطار أزمة كورونا، ستستفيق فيها بكين على وقع نظام عالمي اقتصادي آخر، غير ذلك الذي كانت فيه تصول وتجول، لكن قدرة الصينيين على تجاوز الأزمة قد ترعب واشنطن وتجعلها تفكر في خيار آخر.

كذلك روسيا التي لها خلفية تاريخية في تنافس وتنازع القيادة مع أمريكا، تصطدم اليوم بهبوط حاد في أسعار النفط، هبوط يسهم فيه حليفا واشنطن الخليجيين السعودية والإمارات.

الآن وإن سألتم عن الدول التي تعلم بالصدمة ستكون من بينها دون شك إسرائيل بكيانها الصهيوني، وهي بكل تأكيد دول مرتبطة بحاضنة ايديولوجية قوية، ووراءها مجموعات ضغط عالمية قوية.

أما الدول خارج إطار الصدمة هي دول غير مقصودة بهذا الصراع المحموم، وإن كان صداها يصل إليها بمدى قرب هذه الدول من أماكن تفريغ الصدمات، وهنا أشير على سبيل المثال إلى الدول الأفريقية والدول العربية، التي يبقى فيها هامش تحرك كورونا ضعيفًا بالمقارنة مع الدول الأخرى التي ذكرت.

في هذا الإطار نجد أن أمريكا تحاول جعل غالبية الدول الاسلامية مرحليًا “قوى مأمورة”، لكن متصارعة فيما بينها، فهي تتعامل مع تركيا التي هي في عداء مع السعودية والإمارات، وفي الوقت نفسه تتعامل مع السعودية والإمارات التي هي في عداء مع تركيا، وكل هؤلاء الأخوة في الإسلام، الأعداء على أرضية الواقع، يخدمون مكرهين أو عن طيب خاطر أمريكا، مقابل أن تترك لهم واشنطن اليد في تحييد الأعداء المباشرين، سواء أكان هؤلاء الأعداء جماعات كالأكراد بالنسبة لتركيا، أو الإخوان بالنسبة للإمارات، أو أفرادًا ينازعون الطامحين إلى الحكم كحالة السعودية.

اعتماد أمريكا على قوى متصارعة فيما بينها ليس صدفة، فواشنطن استفادت من تجربة الحرب العالمية الثانية التي استقرت على وجود غريم لها بعد هزيمة ألمانيا وحلفائها، وهذا الغريم كان الاتحاد السوفيتي، الآن لا تريد أمريكا إعادة السيناريو نفسه، في أتون هذه الحرب العالمية الصامتة، فهي تريد تحت إشارتها قوى مأمورة متصارعة فيما بينها، تحقق أمريكا بهم مآربها، وتضعفهم في أتون حروب بالوكالة ضد أعدائها، ثم تذروهم وتزيد صراعهم بعد انتهاء هذه الحرب العظمى، هذا يفسر لماذا تصالحت أمريكا مع طالبان أيضًا، أمريكا تريد إحياء عقدة الاتحاد السوفيتي مرة أخرى.

إنها فرصة المسلمين ليعودوا قوة، فحاجة أمريكا إليهم لهي الفرصة لكي يبرزوا، وينهضوا من سباتهم، فيجعلوها هي الأداة لا هم، لكن هذا أمر مستبعد في ظل وجود الحمقى المتصارعين، وإذا مضى العرب والمسلمون في حماقاتهم؛ سيكونون هم الدرع الذي تواجه به أمريكا أعداءها، ثم حينما تنتهي الحرب سترمي أمريكا بالدرع المتهالك؛ لتتقاذفه جيوش الصهاينة محققة حلمها الموعود باقامة إسرائيل الكبرى من نيل إلى فرات، فاسمعوا وعوا أيها المسلمون، ولا تكونوا مجرد بيادق.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

malik2019

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق