أسلوب حياة

هل من الواقعي طلب الحرية لشعوب تفتقر للفضائل؟

ارتأى الشهداء في السعي وراء الحرية كامل استحقاقها لدمائهم، وارتأى الجبابرة والطواغيت بأن منالها قد استحق إراقة دماء أولئك الشهداء الأبرار.

ومن سمو الحرية ورفعة فحواها وما حواها، دوماً ما يتبادر لمخيلتي بأنها ثواب وليست بما يمكن تحقيقه على أرض البسيطة، وهذا إن دّل فإنما يدل على دنو الدنيا وترفعها عمّا لا تطيق له رِفعة.

السعي وراء الحرية حق الإنسان في اختيار ما يريد وفقاً لاقتناعه واعتقاده. (١)

السعي وراء الحرية والمطالبة بالحقوق ليست بالخيال ولا بالكمال، كل القصد منها هو الحياة، والحياة بلا حرية، موتٌ حتمي بل وأجسم قبراً. إذاً لمَ يظل يقهر من يطالب بها! لأن كلما تفاقم الفساد وتفشت الوحشية في الشعوب زادت حوجتها للسادة وربما هم نفسهم الفاسدين وحُمر الأنياب.

فلمْ تسلم الحرية لا من نقد اليمين ولا حتى من بطش اليسار؛ فاليمين يعيب عليها حرية الفرد في اتخاذ قرارات كالإجهاض والإلحاد والمثلية الجنسية، أما اليسار فيؤاخذها عند تطرقها للتجارة الحرة ولتفضيلها حقوق الفرد على حقوق الجماعة.

حتى في الدين، لم يكن السعي وراء الحرية موضع كرهٍ أو تحريم، بل توسط فيها الرأي، فقط أثبت العلم المطلق للخالق (وهنا لا مفر أياً كانت الديانة) هذا ومع حرية اختيار الإنسان (وهو ما لزم لتبرير الثواب والعقاب الأخرويين).

ما هي متطلبات الحرية؟ ولِكَم هو فضفاض هذا السؤال! فقد تعددت به الفلسفات وتفلسف به العديدون، فذكراً لا حصراً قال بينجامين فرانكلين، بأن الأشخاص الفاضلين هم الأحق بالحرية. (٢)

وعلى نفس شاكلة المعنى دون الحروف، صرح ماديسون، بأنه من اللاواقعي طلب الحرية لشعوب تفتقر للفضائل. (٣)

وقد وافقهم جون آدامز، حين خصّ طلب الحرية لبضع من فئات همّ الأخلاقيين والمتدينين. (٤)

أما شخصي البسيط فمتواضع هو رأيي وشأني في هذا الأمر، وقد انطبعت هذه البساطة على مفهومي لمتطلبات السعي وراء الحرية وانحصرت ها هنا:

  1. الوعي: ثم الوعي ثم الوعي، فكما قد أوصى عليه الصلاة والسلام بالأم ثلاثاً، أُوْصي بالوعي؛ ولأنه أم الحرية ومنه تستقي لبن مهادها. فمن الوعي مثلاً التفريق بين مطلق الحرية وبين وضع ضوابط تحد من انتهاك حرية البعض دون البقية.
  2. السلام: وعمومه في شتى أرجاء ذاك القطر المعني بالحرية؛ فالحرب عدو للحياة، ما بالكم بشكلياتها.
  3. السعي المستدام في الحفاظ على تلك الحرية: ويتحقق هذا بالشعوب الأبية لكل ما هو دون الحرية، فبلا استدامة ذاك السعي تكون الحرية محض حلمٌ تحقق لحقبة أجيال دون البقية.
  4. سيادة القانون: فالقانون لا يقيد السعي وراء الحرية كما يرتمي لبعضٍ عقيم فكر ورأي، بل إن القانون يحفظ الحريات  ويوسعها، بل هو الضامن الوحيد للحد من الانتهاكات التي قد تفتك بهذا العرش الذي وبرغم صلادته ومتانة حزوه، إلا أنه هشٌ وللغاية إن تُرك السبيل خالياً من تفويض القانون وسيطرته.

اقرأ أيضًا: تختلف سبلها والجميع يبحث عنها.. أي تكمن السعادة الحقيقية؟

كان يافعاً حين أبرم مع العصافير عقداً وفير زمانه..
يمنحها الطعام وتعلمه التحليق..
وأبرم آخراً مع النحل وبلاط مملكته..
فيمنحها الورود البيض والرايات وتسقيه وتسقينا الرحيق..
بعدها أنفق السنين من عمره، ينثر لأجلها حبوب القمح في الطرقات..
بين الأزقة..
على الأرصفة..
من أمام عتبات البيوت وفوق مصاطب العاشقين..
وحين مات
لم تُحلّق جثته كما ارتأينا..
هم لم يروا أجنحة تخرج من جنبات نعشه فيطير، ولم تكن قلوبهم مؤمنة ليصدقونا القول..
لكنهم ولأعوام طويلة…
ظلوا يشاهدون الريش وبجدارة..
كل الريش..
ينمو حزيناً فوق دموع أمه!
فهو لم يكن حراً فحسب، بل كان حرية..
كان سمندلاً يهوى الجميلة، لكن تراب أرضها كان أشد لديه هوىً في الهوى حتى هوى.
هوى لكن ترى أيعلم بأننا هويناه حتى صار الهوى أهون إلينا من هوانا!
وإن كان لا يعلم فأخبروه
أبلغوا ذاك الشهيد، ذاك المخُضِب نيلنا بدماءه..
أبلغوه السلام
ثم الخصام
فكلانا لم يرتوِ وقد عجَّل بالرحيل..
أما أمه فأطلعوه بأنها بخير، رغم شر فراقه إلا أن له أطياف وأطياف تزورها كل يوم وعلى عدة مرات، فتطمئن بعد أن تأن قليلاً فتلحقه، وتستودعه إياها، قد أوصتنا إطلاعك بأن موعدكما الجنة، ألم تلتقيا فيها حتى الآن!..

هذا وعذراً؛ على الخروج من السياق، إلا أنه وإن ذكرت الحرية تختلج المشاعر وتبعث رائحة الشهداء وطيب سيرتهم وسريرتهم، وكأنهم يشيرون علينا بألا ننسى، وترى كيف ننسى!

هذا وليست الحرية سوى فرصةٌ ليكون المرء أفضل.

المصادر:

  1. عبدالغني أبو العزم _معجم الغني.
  2. كتابات بنجامين فرانكلين (آلبرت سميث..، ١٩٧٠).
  3. كتابات جايمس ماديسون (جايلارد هانت..، ١٩٠٤).
  4. الفكر السياسي المتغير لجون آدامز (١٩٦٦).

برجاء تقييم المقال

الوسوم

a

عبدالرحمن أيمن عبدالرحمن ،كاتب ،محلل سياسي ،ناقد أدبي وطالب علوم مختبرات طبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق