مدونات

هل لوحتي جميلة؟

ذات مرة في المدرسة، طلبت منا معلمة التربية الفنية أن نرسم لوحة جميلة، لوحة عن أي شيء نريده، سواء أكان بحرًا وسمكًا، أو شاطئًا وصغارًا يلعبون مع ذويهم، أو مطرًا يتخلله ألوان قوس المطر الخلابة.

تركتنا لنحلق بخيالنا بعيدًا، بعيدًا جدًا حتى نصل إلى عنان السماء، أو ربما أبعد، نصحتنا أن نطير بخيالنا لأقصى مدى ممكن، وأن نثق بأنفسنا، فكل شخص منا بداخله بيكاسو صغير على حد قولها.

صار كل منِّا مشغولًا صباح مساء بلوحته، خاصة بعد أن أعلنت المعلمة عن جائزة قيمة لأفضل لوحة، وأنها سوف تُعلق في ممر المدرسة ليراها الجميع، مزينة باسم صاحبها ليعرفه كل من في المدرسة، وكل من يزورها ليثني على جمالها، وروعة فكر صاحبها.

أضحت اللوحة حديث الجميع، انبرى كل الأطفال يرسمون، ليل نهار، صباح مساء يسألون كل من يعرفونه “هل لوحتي جميلة؟”

ماذا أضيف لها كي تصبح أفضل لوحة على الإطلاق؟
أهذا اللون أفضل أم ذاك؟
الأزرق أم الأصفر، أم تراه الزهري؟
هل أجعله يوما ماطرًا، أم مشرقًا، أم ربيعيًا؟

في الواقع سابق جميعنا الزمن ليرسم أفضل لوحة له على الإطلاق، لوحة في نظرنا ليس لها مثيل، عقلنا الصغير لم يكن ليستوعب أن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا غفلنا عنه جميعًا، قلب كل الموازين.

جميعنا حصل على جوائز وصفق لنا كل الحضور في حفل كبير خاص بنا نحن، نحن فقط ولا أحد غيرنا.

سابقنا الزمن وكبرنا، ظننا أنفسنا بيكاسو، ولكننا كبرنا لنجد أنفسنا على حافة اللوحة، تلك الحافة التي تجاهلناها، ذاك المكان الذي لم تصله أيادينا الصغيرة. لم تصله تلك الألوان الزاهية. تركناه أبيضًا خاليًا من كل شيء، ولكن مرور السنين حوله رماديًا ومن ثم داكنًا.

وصرنا جميعًا هناك، جيل كامل صفقوا له على جمال اللوحة، وهو يسألهم صباح مساء عما ينقصها؟ بلا إجابة سوى أنها جميلة رائعة بديعة.

غفلنا أن الحافة بداية ونهاية كل شيء. عند الحافة تكمن بداية تعرجات اللوحة ومسالكها وتنتهي عندها.

يكمن عندها جيل كامل لا يدري: هل يترك الحافة متجاهلاً وجودها كما فعل الجميع من قبله، ليتغنى بجمال اللوحة الباهرة مثلهم جميعًا؟

أم أنه يا ترى يرسم لوحة جديدة كل ما فيها على هواه ويشكلها كما يحب؟

أم سيترك لهم اللوحة الخلابة ويظل قابعًا هناك عند تلك الحافة؟

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق