مدونات

هل كنت إلا بَشرا

مناجاة

وهبتني يا الله حياة، وأمرتني بالعمل والعبادة وعمارة الكون، كنفس بشرية، وها أنا أحيا، وأعمل، وأحسب أني أعبد الله كما أمرني، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ليرى الله عملي ورسوله والمؤمنون، وأعلم أن ليس للإنسان الا ما سعى، وأنا في سعيي هذا أتذبذب، تأتي الشدائد.. فأجزع، وأضعف، وأقصر.. تزلزلني آياتك “الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا” وأرى نفسي من المهلكين.

لكني ما ألبث أن أعود، حين أرى رحمتك ولطفك، يتجدد الأمل في المغفرة، فأجاهد أن أسعى إلى الله بقلب سليم، وأرقب قولك “حتى إذا جاؤوها و فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين“، فتسعد نفسي ويطمئن قلبي، وأرى مواطن قوتي التي منحتني اياها.

من أين أستمد القوة، من رضا أمي الذي طالما سعيت لأناله، فتأتي دعواتها الدائمة كعلامة على هذا الرضا،” اللهم أصلح لي ذريتي وارضهم وارض عنهم “، “أصلح الله لكم الحال والبال”.. ها أنا يا الله لم أقل لهما أف ولم أنهرهما.. وأسألك يا الله.. أن ارحمهما كما ربياني صغيرا.

من أين أستمد القوة، حين أعلم ابني الكتاب وأسألك أن تهبه الحكمة، فأرى لمعان عينيه حينما أبسط له معلومة جديدة أو فكرة، حين أعلمه الطاعات والفرائض وأعده بالجنة التي وعدت فيبتسم ابتسامة المنتصر الفائز، فهل فزت أنا يا الله.. أشهدك يا الله أني أمرته بالصلاة ولا زلت أصطبر عليها.. ها أنا يا الله قد لاعبتهم سبعا فأعنني على تأديبهم سبعاً، ومصاحبتهم أخرى.. ها أنا يا الله راعٍ وأحسب أني بت مسؤولا عن رعيتي، ها أنا ألتمس رضاك، وأطمع في العفو والمغفرة.. إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.

من أين أستمد القوة، من دعوة زوجي “أسأل الله أن يجمعني بك في الجنة”.. ها أنا يا الله قد حفظته في دينه وأهله وماله، ها أنا يا الله غسلت وليس بواجب علي، ونظفت وليس بواجب علي، وأسكنت قلباً عن الحرام. اتقيتك يا الله قدر استطاعتي.. والتي أطمع أن تكون حق تقاتك.. لك يا الله لا لشيء، وأطمع أن يغفر لي ربي ويهدين.

من أين أستمد القوة .. من أخ جعلته لي يا الله سندا، أشدد به أزري وأشركه في أمري، نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا، آمنا بك يا الله وباليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.. عفونا لأجلك يا الله عن كثير.. صبرنا يا الله مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وصابرنا ورابطنا.. وأحسب أننا من الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، فهل نلنا المغفرة ..هل لنا يا الله جنات عدن التي وعد المتقون.

من أين أستمد القوة، من دعوة صديق بظهر الغيب أسر بها إلي، من صاحب ألقيت به يا الله في طريقي ليذكرني أن الله معنا، يجرني إليك جرا، يمد إلي يد عونك، يذكرني إذا نسيت ويدلني إذا ضللت ويفرح لي إذا اهتديت.

أعلم يا الله في قرارة نفسي أني مقصرة.. يتسلل الي الألم حين أبتعد.. حين أجدني وقد ألهتني الدنيا وغرني متاعها .. وأجدني رنوت إليها وإلى ملذاتها.. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .

من أين يأتي الألم.. من دموع عين أدمعتها أنا. لم يكن لها ذنب ولا جريرة إلا أنها صادفت شيطاني المتغطرس.. لم تكن أزماتي بحيلة في يديها حين صرخت وأرعدت. ثم ارتعدت، حين تذكرت قولك الكريم “… وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا“. حين أحاسب نفسي.. أحسبني هالكة لا محالة.

من أين يأتي الألم.. من نفس أمارة بالسوء.. طاوعت هواها.. فسنت السكاكين، وشحذت الأسلحة وطافت تلقي التهم تارة.. وتطلق الأعذار الواهنة تارة أخرى.. دارت تحاكم الخلق وتصدر الأحكام النافذة، وتقيم شريعة الهوى.. بئس النفس.. وبئس الشريعة.. وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء.

من أين يتسلل الألم من تقلب النفوس والقلوب. تلك القلوب.. لم تراعِ فيَ حقك يا الله، صدتني وأربكتني. فلا أنا ممن لا يرقبون إلا ولا ذمة.. لا أجرؤ.. ولا أنا ممن عفا وأصلح.. فأنال أجرك وعفوك يا الله.

من أين يتسلل الألم.. من قلب وهن.. استعظم الطاعة، فتكاسل، واستصغر المعصية فتهاون.. وقت لم يكن محل تهاون.. وبغى وتكبر

من أين يقتل الألم.. من العجز. من البعد. من الحيرة.. من غياب الفهم. هل كان الابتلاء تطهيرا وتكفيرا واختباراً للقوة؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، لتغفر يا ربي الذنوب جميعا.. حتى إذا جاؤوها و فتحت أبوابها، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا، أم جاء (وأعوذ بك من ذلك)، غضبا إلهيا بذنب وجريرة.. وقيل أخرجا منها

يا الله.. أنا بين هذا وذاك.. فهل كنت إلا بشرا؟

أسألك.. أن إمنحني يا الله القوة كي لا أحيد وألا أضل ولا أجهل، أسألك يا الله أن اجعلني من المتقين وأن اكتبني في عبادك الصالحين، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وأجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، واجعلني من المتقين.. من ورثة جنة النعيم، ولا تخزني يوم يبعثون.. يوم لا ينفع مال ولا بنون.                                                                                                                 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫6 تعليقات

  1. سبحانه
    برغم تقلبات حياتنا يمنحنا راحة اللجوء إليه و اطمئنان قلوبنا برحمته و هدوء خواطرنا بمعيته
    فهل كنا إلا بشرا
    كلمات تلمس القلب و تجسد واقعنا
    مقالة رائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق