سياسة وتاريخ

هل قاد الثورة الفرنسية إرهابيون؟.. بين الإرهاب والعنف الثوري حديث

ربما لا يجد الكثير فرقاً بين ممارسة العنف وممارسة الإرهاب، غير أن هناك من الفوارق التي تجعل ما بينهم من اختلاف كبير؛ فالعنف يكون جريمة عندما يتعمد إلحاق الأذى بالضحية بصورة مباشرة، أي عندما تكون الضحية هي الهدف أولاً وأخيرًا. أما تعريف الإرهاب فإنه يستلزم استخدام العنف “أداة” ليس لإلحاق الأذى بالضحية، وإنما لتوظيف الأذى في ممارسة ضغط معنوي على جهة أخرى، أو على شخص آخر.

أي أن الإرهاب تكتيك يلجأ إليه طرف ضد طرف، أو جماعة ضد جماعة معادية لها تتمتع بقوة أكبر، وذلك من أجل تحقيق هدف سياسي تعجز عن تحقيقه بوسائل أخرى.

ومن هنا لا تطلق عادة صفة المجرم على الإرهابي، فالمجرم يتعمد قتل أو إلحاق الضرر بضحيته إما انتقاماً أو لأسباب شخصية، أما بحسب تعريف الإرهاب فإن الإرهابي فإنه غالبًا ما يؤمن بالبراءة الشخصية لضحيته، ولكنه لا يجد مفرًا من الإساءة إليها، من أجل توصيل رسالته لطرف ثالث.

والمجرم يرتكب جريمته لحسابه الخاص، أما الإرهابي فيعتبر نفسه جنديًا مكلفًا بمهمة شريفة، لا تلحق إدانته بها أي عار أو تجريح بل على العكس، فهو يعتبر أداءها عملاً بطوليًا يؤهله لاحتلال موقع مرموق، أو ذكرى خالدة في مجتمعه. (الإرهاب والعنف السياسي- محمد السماك- دار النفائس- ص 5– 6).

اقرأ أيضًا: مصطلح الإرهاب من وجهة النظر الغربية

تعريف الإرهاب

الإرهابيون في تعريف “المعجم الوسيط”: “صنعة تطلق على المجموعة التي تتخذ من سبل العنف وسيلة لتحقيق غاياتهم السياسية”.

وفي تعريف “المنجد”: (“الإرهابي هو كل من يتخذ العنف والإرهاب لإقامة سلطته”.

وفي تعريف “الرائد”: “الإرهاب هو الرعب الذي يلجأ إليه مجموعة أو فرد كالقتل والتخريب”.

أما الحكم الإرهابي فهو: “نوع من أنواع الحكم الاستبدادي الديكتاتوري الذي يقوم على سياسة العنف والشدة بهدف استمرارية سلطته، والقضاء على المعارضين له بالوسائل البشعة غير الديمقراطية”.

تعريف الإرهاب من وجهة النظر السياسية

يختلف تعريف الإرهاب باختلاف الموقف الذي تم على أساسه، فحين يكون هذا الإرهاب للدفاع عن الأرض تجاه المحتل والغاصب، فهو إذن نضال ومقاومة وكفاح مشروع من أجل الحرية واستعادة الوطن، وهو في هذه الحالة يكون إرهاب مشروع.

وعلى هذا الأساس يمكن توصيف الأفعال التي يتم ارتكابها، باختلاف الدوافع السياسية، فما يمكن أن يراه البعض إرهاباً، يمكن أن يراه البعض الآخر عملية فدائية أو عملًا من أعمال المقاومة والتحرير.

ولقد أدى هذا الاختلاف في وجهات النظر إلى صعوبة تعريف الإرهاب بتعريف مشترك يتفق عليه المجتمع الدولي بكامله، وعدم وجود مصطلح دولي لتعريف الإرهاب تبعاً لاختلاف مصالح الدول، إلى جانب عدم التفريق في أكثر الأحيان بين الفعل الإرهابي وبين الدفاع عن النفس والوطن، ورغم صدور بعض القوانين والاتفاقيات الدولية حول الإرهاب إلا أن هذا الخلط بين مفهوم “الإرهاب” وتعريفه ما زال قائمًا.

فالهدف الذي يدفع المجرم إلى استخدام العنف، يختلف جذريًا عن الهدف الذي ينطلق منه صاحب القضية، والذي يجد نفسه مضطرًا إلى أن يلجأ إلى وسائل ضغط عنيفة تثير الاشمئزاز، واشمئزازه هو شخصيًا في المقدمة؛ بغية تحقيق هدف يستفيد منه شعب بأسره.

فالمصلحة التي يسعى وراءها صاحب القضية مستخدمًا الإرهاب، هي مصلحة عامة وليست مصلحة فردية، وهو في هذا الموقع أشبه بالجندي الذي يستخدم سلاحه في سبيل الدفاع عن حدود وطنه في أرض المعارك الحربية.

وحمل الإرهابي للسلاح دافعه سياسيًا في المقام الأول، وحين نقول سياسي فإننا نعنى أنه بالضرورة دافع عام وجماعي، وبالتالي فالانتفاع الفردي من الضغط بالسلاح يأتي لمصلحة شعبية واسعة، ولا علاقة له بالمصلحة الفردية.

ونجد هذا واضحًا ومتمثلًا فيما تلجأ إليه الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حين تقوم بشكل متعمد ومن خلال أجهزتها الإعلامية والدعائية بالخلط بين مفهوم الإرهاب ومفهوم حركات التحرر الوطنية، بغرض تشويه كفاح الشعوب الراغبة في الحرية، وإجهاض خطاها على طريق التحرر بمختلف أساليب التآمر والعدوان.

ويأتي ذلك كله في إطار تنفيذ الولايات المتحدة لسياستها الرامية إلى الهيمنة والسيطرة على العالم، وعلى الشعوب كافة، بضرب أهدافها الثورية والقضاء على حركات التحرر التي تقود الشعوب إلى حريتها من الاستعمار والهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية.

وفي نفس الوقت الذي تقود فيه الولايات المتحدة حملتها على ما تسميه “الإرهاب”, فإنها هي نفسها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، فهي أكبر حامي لإرهاب الدولة الصهيونية، التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني الأعزل كل يوم المذابح، إلى جانب دعمها المتواصل لكل أساليب الاحتلال التي يقوم بها الكيان الصهيوني.

والولايات المتحدة نفسها مارست- وتمارس أبشع العمليات الإرهابية في التاريخ الحديث، فهي التي أبادت قرى بأكملها، هيروشيما وناجازاكي، في ثوان معدودة بالقنبلة الذرية، وهي التي تحتل الدول وتمارس أبشع أساليب التعذيب ضد المعتقلين في أبو غريب بالعراق، وفي جوانتنامو، إضافة إلى دعمها المتواصل لكل الأنظمة القمعية والديكتاتورية في العالم.

الإرهاب مقابل العنف الثوري

يجب أن يكون واضحاً أن هناك فرقا بين تعريف الإرهاب وبين مفهوم “العنف الثوري”، حيث أن الأخير أداة لحركات التحرر الوطني في كل بقاع الأرض.

فالإعلام الغربي والأمريكي يحاولان أن يصورا للعالم أن كفاح الشعوب ممن يلجئون لحمل السلاح هو إرهاب دولي، ولا يرون أن احتلال الأرض واستباحة الأعراض وقتل الأطفال في حصار الدول، وتعذيب المعتقلين داخل المعتقلات.. إرهاباً! وهذا هو قمة التناقض.

إن تحرير الإنسان من العبودية مسألة عادلة لا غبار عليها، ودعم حركات التحرر الوطني واجب أيضاً على كل إنسان، والفرق كبير بين حركات التحرر وبين تعريف الإرهاب بمعناه العام.

حركات التحرر تكافح من أجل قضية عادلة، ومن أجل شعب مضطهد، في ظرف وزمن معين، يستحيل اللجوء فيه إلى غيره من أساليب العمل السياسي، والتحولات التاريخية التي مرت بها شعوب العالم، سواء على المستوى القومي أو الديني، لم تقم بسهولة لولا استخدام العنف الثوري.

وحتى الأديان السماوية، لم يكتمل إرساء قواعدها لولا استخدام العنف الثوري، وكان الله قادرًا على نصرها في طرفة عين، ولكنه عز وجل تركها لسنة الحياة، لكي يحدث التحول الحقيقي في التاريخ.

وإذا نظرنا للعنف الثوري على أنه إرهابًا طبقاً للنظرة الغربية، فلابد أن نذكر الغرب أننا طبقا لهذه النظرة سننظر إلى المقاومة الفرنسية للاحتلال الألماني النازي خلال الحرب العالمية الثانية على أنها إرهاباً يستحق الإدانة!

بل حتى الولايات المتحدة نفسها، التي تحتفل بعيد استقلالها كل عام من الاستعمار البريطاني، ففي حينها قام الأمريكيون بمهاجمة السفن والمنشآت البريطانية، ودمروها وشنوا معارك طاحنة مع آلية الجيش البريطاني المدرب والمجهز أفضل تجهيز في هذه الفترة، فهل يمكن أن نعتبر محاولات التحرر الأمريكي من الاستعمار البريطاني عملاً من أعمال الإرهاب في تلك الفترة؟!

إذن هناك خلط وتشويش على تعريف الإرهاب وفي ظل هذا الخلط قد توضع حركة للتحرر الوطني مع سلطة استعمارية عنصرية، ضمن تصنيف الإرهاب.

على أن الأمر لا يقف في الواقع عند هذا الحد، فالقوى الغاشمة المسيطرة سواء كانت نظم ديكتاتورية، أو كانت في شكل نظم استعمارية، كانت دائماً هي الأعلى صوتاً في وصف أعدائها بالإرهاب، ونجد هذا متمثلاً بشكل واضح في الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية واللبنانية، ووصفها لأعمال المقاومة الإسلامية في الأراضي اللبنانية الصادرة من حزب الله بأنها عمليات إرهابية، وهي في الواقع عمليات تحررية استشهادية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، وهي مقاومة مشروعة لأن المحتل هنا يمارس احتلال الأرض.

الثورة الفرنسية والعنف الثوري

ولنا في الثورة الفرنسية مثالاً يحتذي، فالشعب الفرنسي لجأ إلى العنف الثوري بشكل مكثف عام 1789؛ وفي السنوات التي تلته، إبان ما يعرف اليوم بالثورة الفرنسية، هذه الثورة التي أسست أول نظام جمهوري في العالم.

ففي عصر هذه الثورة، عندما انتقلت فرنسا من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، قُطع رأس الملك “لويس السادس عشر”، وطار رأس الملكة “مارى أنطوانيت”، واقتيد بعدها عدد من الأرستقراطيين إلى “المقصلة”، ومع ذلك لا أحد يجرؤ حتى اليوم على اعتبار أن ما حدث يندرج تحت تعريف الإرهاب أو يمت له بصلة، أو أن من فعلوا ذلك “إرهابيون”، بل الغالبية ترى أن هذا كان تحول تاريخي هام أحدثته الثورة الفرنسية داخل فرنسا وخارجها.

لكن “العنف الثوري” رغم أهميته، إلا أنه بحاجة إلى حدود وقيود متينة تنبع من وعي الثوار، لأنه سلاح ذو حدين، ولا ينبغي أن يستمر في كل وقت، وفي كل المناسبات، حتى لا يشكل خطراً على الجماهير المشاركة في الثورة، بل وعلى الثورة ذاتها.

ويمكننا القول أن “العنف الثوري” عنف مدروس ومنضبط، ولابد أن يكون مرحلي ومؤقت، فهو عنف يدرك حدوده، ويفهم أهمية البقاء في دائرته، وعدم تخطى هذه الحدود.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق