أسلوب حياة

هل عرفنا أنفسنا في زمن الكورونا ؟

سؤال طالما حيّر العقلاء وقض مضاجع الفلاسفة وغير بوصلة حياة النوابغ والمفكرين: “هل تعرف من أنت”؟ وإنه لَمن العجب أن تجد أغلبنا لا يكلف نفسه محاولة الإجابة عنه، ولكن كيف يتم ذلك ونحن في تسابق يومي وراء الملذات ولهث تصاعدي وراء المجهول؟ وكأننا نبتغي الكمال الذي لم يخلق لنا! بل وتجد الإنسان منا مشغولًا بلا شيء عن أهم شيء، فتراه ينقش صفحات عن حياته قد لا تشرفه مستقبلًا، وقد يبدو لنا هذا سؤالًا من البديهيات التي يظن أغلبنا أنه يملك جوابًا شافيًا عنها، لكن الحقيقة الأشد مرارة هي ألا أحد منا يعرف حقيقة نفسه أتم المعرفة، لأن أغلبنا يعيش في الأماني ويتيه في غياهب الحياة وقد لا يستيقظ من غفوته إلا بعد أن يفعل الزمن فعلته فيه، وحينئذ يعتصر مرارة وحسرة وندامة ولا ينفعه ندمه ذاك، لأن ما مرّ من حياته طُوي في صحيفة الذاكرة ولا سبيل للرجوع، وإن تعجب فعجب من أولئك الذين يعيشون تحت ظل الأماني ويستشعرون حلاوة الحياة وبريقها سابحين في الأوهام بدون أن تتحرك فيهم ذرة مسؤولية تنبئهم بما في قلوبهم، فالعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. ولهذا فإن ما نعيشه اليوم في زمن الكورونا بالذات يتطلب منا وقفة صادقة مع ذواتنا لنعيد ترتيب أوراقنا التي بعثرتها الحياة، ونُقدّر قيمة أنفسنا وننهض نحو مستقبل قد يشرفنا إن أحسنا بناءه اليوم.

فأيامنا هذه تستوجب تجربة أشياء طالما تركناها جانبا وأخرناها بداعي ضيق الوقت، فنطلق العنان لإبداعاتنا واهتماماتنا، فالوقت مناسب للزج بتسويفنا في قبر النسيان، والشروع في الضفر بالغنائم التي أهدتها لنا أيام الحَجر لعل الواحد منا يخرج من أيامه هذه وهو حامل للواء الانتصار والانبهار، انتصار على النفس وانبهار بقدراته الخفية التي ظلت خامدة ردحًا من الزمن.

فكلماتي هذه موجهة لكل من أراد أن يبني ذاته ويخدم بلده ويزرع بذور التفاؤل ليجني الثمار سريعا، لكل من فقد بوصلة حياته وأصبح يرى الأفق مسدودًا، لكل من احتار في أمره، وأصبح يحس بالوقت يمر عليه ولا يزال في مكانه.

لكل هؤلاء أقول: هذه فرصتنا جميعًا لإعادة ترتيب أوراق حياتنا المشتتة ولَمّ أشلائنا المبعثرة، ووضع خطة محكمة لما نبتيغه وما نرجوه وما نطمح إليه، فإذا كان المهندس يهندس مشروعه من كل جوانبه ويدقق فيه برؤية واضحة ليشرع في تنفيذه، فكذلك وجب علينا دراسة أنفسنا ومعرفة ماذا نريد حقيقة ولا نتركها تسير سيرا نحو المجهول، فالبطولة تقتضي أن نشد مئزرنا ونصنع لأنفسنا مستقبلا يشرّفنا، وبذاك سنسهم في التخفيف من الندم الذي هو لا محالة آتينا ولو بعد حين، فكم من مخدوع يظن في لاوعيه أنه يعرف نفسه حق المعرفة وتراه يُعرّف نفسه بالأنا ويربطها بالدرجة والمنصب والمرتبة، بل وتجده يردّد عبارة: أما تعرف من أنا ؟ ألم يحدثوك عني من قبلُ ؟ وغيرها من الأسئلة التي تحمل في طياتها كل أنواع العجب والأنانية التي كادت تدمر مجتمعاتنا لولا وجود رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

ومما شدّ انتباهي -وأنا أقلب صفحات الفايسبوك- قبل أيام، جواب أحدهم عن سؤال طرِح في إحدى المجموعات، ما الذي ستغيره إذا عاد بك الزمن عشر سنوات إلى الوراء؟  فكان الجواب: لا أغير أيَّ شيء فما تصورتُه هو ما أنا فيه الآن!

فكم منا لديه الشجاعة ليجيب الجوابَ نفسه ؟ فهذا جواب قد يشكل عصارة ما أريد إيصاله، وهو ما كان سببا في خطِّ هذه الكلمات التي أرجو أن تُحرّك كاتبَها قبل أن تصل إليكم.

لماذا بالضبط في زمن الكورونا ؟

إن ما تعيشه البشرية من ضغط نفسي بسبب الساعات الطوال التي نقضيها في المنزل، قد يخفف مرارَتَه التبشيرُ بمستقبل قريب يدنو منا يومًا بعد يوم ليحمل معه كل معاني السعادة والاطمئنان والخير، ومن ثم لم يكن للناس عجبا أن حدة الضغط النفسي قد تزيد إن نحن جعلنا الرتابة تسيطر على أيامنا هذه غير آبهين بقيمة الوقت الذي يمر من بين أيدينا بدون أن نفعل فيه قليلا كما يفعل هو فينا كثيرا، ومما أعجبني قول الإمام عمر بن عبد العزيز: “إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما”، فإذا عرفنا أهمية الوقت الذي نحن فيه قد نضطر إلى التخفيف من الأزمة النفسية التي نعيشها، فلا شك أن بعد العسر يسرا، لكن إذا كان هذا هو حال الزمن دائما في استمرار، فما بالنا نحن لم نبرح أماكننا وبقينا كشجرة غُرِسَت في الأرض، ولم نستطع الدخول في معركة مع الحياة والنفس..  لماذا استسلمنا قبل أن نبدأ ؟ لماذا نسمح للنهار بأن يأكل منا ونحن على حالنا ؟ ألهذه الدرجة نرضى بالهزيمة ؟ وأشد من هذه الهزيمة أن تجد أوقاتنا كلها تضيع وراء شاشة إلكترونية لم تزدنا إلا تدهورا وسوءا، وتجد أغلبنا ينساق وراءها انسياق القطيع ولا يخرج منها إلا كما ولجها أو أغبى من ذلك -إن لم يُحسن استعمالها- فلماذا نترك أنفسنا سهلة طيعة كالسفينة بلا قائد تتقاذفها الأمواج، وتدفعها الرياح كما تهوى ؟ ولماذا لا نجعل رياحنا تجري بما تشتهيه السفن ؟

ومما هو معلوم أن النفس خطرها عظيم وشرها مستطير، فهي ميّالة بطبعها إلى الكسل والخمول والراحة.. فإن لم نحكم السيطرة عليها جرتنا إلى طريق الشقاوة، ولله ذر البوصيري حينما قال:

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على      حب الرًّضاع وإن تفطمه ينفطم

   فالسعيد من عرف قدره وعمل على إصلاح نفسه ووجهها الوجهة الصحيحة لكي يسمو بفكره وفؤاده ويستشعر مكانته داخل المجتمع ولا يرضى بغلبتها وتفوقها عليه، ولا شك أن إصلاح النفس يتحقق بعد معرفتها أولا، والمقصود بمعرفة ذواتنا أن نكشف عن هواياتنا وشغفنا وميولاتنا ونقيّم أنفسنا ونخطط لمستقبلنا، مع استشعار بقيمة اللحظة التي نعيش، وبذلك قد نسهم في تطوير أنفسنا ونسعد، فنُعِدّ للحيرة جوابا، ولا نترك للندم بابا،.. فلماذا نرضى أن نعيش عاديين ونموت كذلك؟

إنني لا أبتغي من وراء هذه الكلمات أن آمرك بفعل شيء أنت في غنى عنه، ولكن ناصح لك بعد نفسي لعلها تجد طريقا للقلب أو تحرك فينا ذرة إحساس بالمسؤولية، وننهض بتغيير أنفسنا ما دامت الفرصة سانحة، فالتغيير إن لم ينبع من دواخلنا فلا ننتظره من الخارج “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” سورة الرعد الآية: 13

فالشقي فينا من ينظر إلى نفسه بعد أيام الحَجْرِ في زمن الكورونا ويجدها لا تختلف عنها قبل ذلك، والسعيد من يطالع نفسه فيجد التغيير بدأ يدب إليها ويكتشف ذاته ويستجلي رغباته وطموحاته ويسارع إلى الرقي ولا يرضى العيش في عادة قتل الوقت ويموت عليها.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد عبد الجبار

طالب جامعي مهتم بالشأن اللغوي والاجتماعي والنفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق