مدونات

هل صادفت يومًا أن رأيت الموت؟.. هكذا تجدد العهد مع الحياة

هل صادفت يومًا أن رأيت الموت بعينيك؟ سؤال صعب ومحير، أليس كذلك؟، بل أزعم أن الإنسان ربما تمر حياته كاملة دون أن يرى شبح الموت يقترب منه، لكنني مررت بهذه اللحظات العصيبة، ورأيت الموت يقترب مني!

هي لحظات قاسية مؤلمة، لكنها صادقة منبهة، بل وضرورية لمن يريد وقفة مع النفس.

كانت الأمور تسير على الطريقة الروتينية اليومية، ليس هناك من جديد؛ الخروج للعمل، ثم العودة للمنزل للعمل أيضاً، فمع وسائل التكنولوجيا الحديثة أصبح بإمكانك أن تدير عملك من منزلك دون الحاجة إلى الخروج كثيراً، خاصة مع من يمتلكون مثلي كراهية الاختلاط بالمجتمع، وكراهية الزحام والضوضاء.

لكن يبدو أن هذه التكنولوجيا على الرغم من أهميتها ودورها الحيوى الذي أصبحت تلعبه، إلا أنها تخبأ بين طياتها الكثير من السلبيات، وعوامل المرض التي لا ننتبه لها.

منذ حوالي سبع سنوات أصبت في قدمي اليسرى بجلطة، استدعت أن أدخل المستشفى وأظل بها لمدة ثلاثة أيام، ثم خرجت بفضل الله لراحة إجبارية لمدة شهرين، ومن بعدها عدت إلى حياتي الطبيعية، مع النصيحة بعلاج مستمر حتى لا تعود مثل هذه الجلطات في أي مكان آخر بالجسد، وبنصيحة أكبر أن يكون للجسد دائمًا نصيبه من الحركة وممارسة الرياضة، لأن خمول الجسد المستمر يعني فرصة أكبر لمعاودة مثل تلك الجلطات.

ولأن طبيعة عملي توجب عليّ الجلوس طويلًا إلى المكتب أو إلى الكمبيوتر، أصبحت نصيحة الأطباء من الصعوبة بمكان الالتزام بها، على الرغم من المحاولات المضنية مني لتنفيذ ذلك على مدار السنوات السبع الماضية، لأنني كنت أعلم أن الجلطة الثانية دائمًا ما تأتي أشد، وفي مكان أخطر من الجلطة الأولى في جسد الإنسان، وهو ما حدث بالفعل.

ففي أحد الأيام بدأت أشعر بنوع من الألم يزداد في إحدى يداي، لكنني – وكعادتي في مثل هذه الأمور – لم أهتم، وأرجعت الأمر إلى كونه ربما يكون نوعًا من البرد الذي يتسلل إلى جسدي فيما بين فصول السنة، لينبئني أنني قد تجاوزت الأربعين بعدة أعوام، ويجب أن أهتم بصحتي أكثر مما قبل.

وازداد الألم في اليوم الثاني، ليشمل باقي ذراعي وكتفي، وفي اليوم الثالث استيقظت من نومي على مزيد من الألم، ليشمل في هذه المرة ألم حاد في صدري، يزداد مع كل دقيقة، وكأن نصال حادة تعمل بكل طاقتها في تقطيع صدري.

وتنبهت في هذه اللحظة فقط أن هذا الألم ليس نوعًا من البرد، ولكنه ربما يكون أشد، فكان لزامًا علىّ أن أعرض نفسي على طبيب. ولأنني أسكن في إحدى المدن الجديدة، وفي مثل حالتي لم أكن لأستطيع قيادة السيارة للوصول إلى أي طبيب.

اضطررت إلى اللجوء إلى المركز الطبي الحكومي في هذه المدينة، وبطبيعة الحال كان طبيبًا صغيراً، طمأنني على حالتي، وقال لي إن ما أعانيه لا يتعدى كونه ضيق في الشعب الهوائية نتيجة برد، وعندما أخبرته أنني لم أصب بأي نوع من البرد تلعثم في الرد وقال لي: “المهم أن تأخذ العلاج وستصير بخير”.

وبطبيعة الحال لم أكن مقتنعًا بما قاله لي هذا الطبيب، لكنني كنت مضطرًا أن أتناول الدواء الذي قرره لي؛ عسى أن يخفف من الآلام التي تجتاح صدري. لكن الألم كان يزداد مع كل ثانية تمر، وكأن هناك من يغرس المزيد من السكاكين لتقطع في صدري ورئتاي.

ولم أعد أحتمل هذا الألم، فطلبت من زوجتي أن تستدعي سيارة الإسعاف حتى تنقلني إلى أقرب مستشفى يمكن أن تتوافر بها الإمكانيات لتشخيص صحيح وعلاج ناجع، وهو ما تم بالفعل.

وبمجرد دخولى إلى المستشفى ورؤية الطبيب لي، أمر بعمل “رسم قلب”، والذى أوضح سريعًا أن ما أعانيه هو “جلطة” فى القلب في مرحلة متقدمة، وهو ما يستدعي علاج فوري لإذابة هذه الجلطة، ثم التدخل الجراحي بعمل ما يسمى “قسطرة تشخيصية” لكي يستطيع الطبيب المعالج فتح وتوسعة الشريان الذي حدثت به الجلطة – وهو في حالتي “الشريان التاجي”، وإزالة الجلطة، وإذا لزم الأمر تركيب ما يسمى “دعامة” لكي تساعد على أن يظل الشريان مفتوحًا لتدفق الدم دون معوقات، وعدم حدوث الجلطة مرة أخرى.

وهو ما حدث معي بالفعل، ففي اليوم الأول لدخولي المستشفى تم معالجتي بأدوية إذابة الجلطة، وفى اليوم الثاني دخلت إلى غرفة العمليات، وتم عمل “القسطرة التشخيصية” وتركيب “الدعامة”، ثم ظللت بغرفة الرعاية المركزة لمدة ثلاثة أيام أخرى تحت الملاحظة، خرجت بعدها إلى منزلي لراحة إجبارية لمدة شهر على الأقل.

هكذا كانت الأزمة، وهكذا رأيت الموت.. رأيت الموت في لحظات كنت أعجز فيها عن التنفس، في لحظات كنت أشعر فيها بالفعل أن الهواء الداخل إلى صدري لن يخرج، وأن الهواء الخارج لن أستطيع أن أُدخل غيره إلى صدري.

كم هي لحظات عصيبة ومؤلمة، وقت أن رأيت الموت حيث تشعر أنك على مشارف الرحيل، وأنك ستفارق هذه الدنيا بعد ثوانٍ معدودة، وأنك ستحرم من كل أحبائك، وكل ملذات الحياة التي سعيت جاهدًا أن تجمعها لكي تستمتع بها. كم هي لحظات مؤلمة حين تشعر أن الموت يقترب منك دقيقة بعد الأخرى، وأن كل من حولك لا يستطيع عمل شىء لك سوى الدعاء.

صحيح أن كل منّا يعلم علم اليقين حقيقة الموت، وأنه يدرك الإنسان في أي لحظة، وأن الموت هو الزائر الوحيد الذي لا يستأذن في القدوم، وحين يأتي ليس بالضرورة أن يكون قدومه مبررًا أو مصاحبًا لأسباب. لكن فرق كبير جداً بين أن تؤمن بذلك، وبين أن تقع في التجربة ذاتها، وتجد نفسك على مشارفه وقد رأيت الموت بعينيك، وليس أمامك إلا الله تبتهل إليه أن يغفر لك سيئاتك، وأن يعفو عما ارتكبته من أخطاء في حياتك، وأن يجعل النزعة الأخيرة في روحك أيسر مما تعانيه من ألم.

عندما رأيت الموت شعرت بحياتي تمر أمامي كشريط سينمائي بكل أبطاله، فرأيت كثير من الشخصيات التي مرت في حياتي، حتى تلك التي لم أرها على أرض الواقع منذ سنوات بعيدة تذكرتها في هذه اللحظات.

رأيت أخطائي أمامي، ورأيت كيف كان دعائي إلى الله أن يمد في عمري حتى أتوب عنها. ورأيت حسناتي وكيف هي قليلة، وكيف كان دعائى إلى الله أن يهبنى الحياة مرة أخرى حتى أزيد منها وأضاعف من جهدي لكي تنمو وتكبر. وتذكرت بكل قوة وأدركت معنى الآية القرآنية: “حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ{99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ” (المؤمنون: 99-100).

لم تكن ساعات إشراف على الموت، بقدر ما كانت ساعات صراع داخلي حقيقي، لكنه صراع أحسست فيه أن الشيطان قد اختفى من داخلي، وابتعد عن وسوسته الدائمة، كنت أشعر بنقاء داخلي غريب، وصفاء نفسي لم أشعر به من قبل، وهو ما ساعد على إحساسي بالقرب من الموت.

هكذا رأيت الموت لكن الله – سبحانه وتعالى – أراد أن يهبني الحياة مرة أخرى، وأن يعطيني الفرصة مجددًا لكي أثبت لنفسي أولًا مقدار صدقي في دعائي أثناء الأزمة وأثناء شعوري أنني على مشارف الموت.

فشكرا لله.. وتجديدًا للعهد..

اقرأ أيضًا: «إننا نحلم لننسى»: الحرمان من الأحلام يعني الموت

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق