علوم وصحة

هل تمنح التكنولوجيا للبشرية خلودًا أبديًا؟

منذ انفصاله عن عالم الحيوان وامتلاكه وعيًا خاصًا بذاته، مثل الموت معضلة الإنسان الوجودية، فهو الكائن الذي يدرك ذاتيًا أنه سيموت، وهذا بدوره انعكس كصراع في نموذج التمثيل الذاتي فنشأت لديه فكرة الاعتقاد بالخلود وما وراء العالم وخلق وجودًا جديدًا للرحيل كمحاولة إنكار للفناء.

تعتبر الطقوس الجنائزية الدليل الأوضح على عقيدة الحياة بعد الموت بالنسبة لعلماء آثار ما قبل التاريخ. فقد كانت المدافن الأولى برهانًا على الاعتقاد بالخلود كما أن الصلوات البدائية على الأموات في العصر الحجري هي أصل المعتقدات الخرافية والأسطورية.

يعتقد أن هومو نياندرتال (الذي عاش على الأرض ما بين 350-24 ألف سنة من الآن) كان أول من مارس هذا النوع من الطقوس من خلال دفن موتاه بعناية ووضعيات مقصودة وزودها بمواد ثمينة، كما بينت الكشفيات في مواقع فلسطين وشمال العراق وسوريا ومواقع أوروبية عدة. ويبدو أن إنسان نياندرتال تمتع بحس مرهف تجاه أفراد جماعته، وهذا ما أثبتته زهور الأقحوان والخبازيات المنثورة على لوح خشبي دفن مع الموتى في كهف شانيدار في شمال العراق العراق.

الخلود الإنساني!
إعادة تصور لإنسان نياندرتال دفن في كهف شاندر شمال العراق

لكن هناك دلائل حديثة تشير إلى ترسيخ عقيدة الموت قبل ذلك بكثير، ففي أتابيوركا بإسبانيا اتضح أن التلال هناك تخبئ كنزًا ثمينًا لعلماء الآثار: 30 هيكلًا عظميًا عمرها نصف مليون عام مدفونة بعناية وبالقرب منها بلطة من الكوارتز، ربما كانت قربانًا!

في التاريخ المكتوب يمكن القول أنه لا يخلو أي مذهب أو دين من ادعاء الاعتقاد بالخلود الإنساني ولأن الأجساد تتحلل، تفنى، تحترق؛ تبلورت فكرة ثنائية الروح والجسد، الروح كيان غير مادي يمثل قوة الحياة داخلنا.

في الشرق الأقصى أوجدوا مفهوم دورة الحياة المتكررة (التقمص) القائمة على الكارما التي هي حصيلة أعمال المرء خلال حياته. وفي بلاد الرافدين ظهرت أولى الأعمال الأدبية “ملحمة جلجامش” تروي التوق الإنساني للخلود بشكل درامي إبداعي بحق!

اقرأ أيضًا: «جلجامش» الملحمة التي قدمت للبشرية سر الخلود

أما في مصر القديمة فإن “كتاب الموتى” يتضمن وثائق ونصوص جنائزية لإرشاد الموتى خلال رحلتهم في العالم الآخر، ونجد أن الزرادشتيين في بلاد فارس آمنوا بفكرة “السراط” وهي قنطرة تعبرها الأرواح الطيبة لتعيش في الأبدية بجوار آهورامزدا.

في المعتقدات القديمة لدى الإغريق والرومان، عادةً ما يصور الإله شارو وهو يقل الموتى بقاربه إلى العالم الآخر مقابل المال ويشهد هرمس عليهما. وأخيرًا، يؤمن المسيحيون والمسلمون بالبعث والحساب ولديهم الاعتقاد بالخلود فيثاب المؤمنون بالجنة والخلود فيها، بينما يذهب الكفار والآثمين إلى جهنم.

الخلود الإنساني!
من كتاب الموتى المصري

منذ القرن 18 ظهرت تيارات فلسفية علمانية حاولت تقديم بديل للناس عن الخلود لسد الفراغ الروحي الذي قد ينجم بسبب الانفكاك عن الدين. وقد أبدع الفيلسوف نيتشه فكرة “العود الأبدي” حيث أن كل الأشياء ستكرر نفسها بذات التفاصيل حسب هذه الفكرة.

الخلود الإنساني!
الفيلسوف الألماني، فريدريك نيتشه

إن التقدم العلمي المتسارع شكك بصحة تلك المعتقدات والادعاءات الدينية، فاتخذ البحث عن الخلود طابعًا علمانيًا بعيدًا عن السماء والآلهة.

إذ يحاول علماء الوراثة عكس عملية ضرر الشيخوخة وإعادة الشباب على المستوى الخلوي، أما علماء المستقبل فإنهم يحاولون مزاوجة البيولوجيا بالتكنولوجيا عبر تحميل ذواتنا في عوالم افتراضية لتطبيق فكرة الاعتقاد بالخلود مثل فيلم المصفوفة ‏Matrix‏ حيث يتم الحفاظ على أذهاننا تشفيريًا! أو تمديد وعينا إلى روبوتات تتحكم بها أدمغتنا على غرار فيلم “أفاتار”.

ومن بين جميع تلك الأفكار الحماسية والمتفائلة هناك 425 مليون مصاب بالسكري و14 مليون بالسرطان وغيرهم الملايين الذين ينتظرون اكتشاف علاج يجعلهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، هكذا فقط!.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق