سياسة وتاريخ

هل تحررت بلاد الرافدين؟

مرت منذ عدة أيام الذكرى السابعة عشرة لغزو العراق، بعد أن تداولت وكالات الأنباء العالمية في التاسع من أبريل 2003 الصورة الشهيرة لجندي أمريكي يضع الحبل الخاصة بالرافعة التي يقودها في رأس تمثال لصدام حسين بساحة الفردوس في العاصمة العراقية، معلناً بذلك نهاية أربعة وعشرين عاماً من حكم صدام حسين، وثلاثة عقود ونصف العقد من حكم البعث.

وبعد هذا التاريخ بثلاثة أسابيع وبالتحديد في الأول من مايو 2003، وقف بوش الإبن على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ليعلن أن المهمة قد اكتملت، وذلك في إشارة إلى غزو العراق الذي أطلقت عليه الإدارة الجمهورية الحاكمة وقتها عملية تحرير العراق.

صور الأمريكيون أنفسهم قبل وخلال وأثناء غزو العراق على أنهم جالبو الديمقراطية الموعودة لبوابة الوطن العربي الشرقية، وألا هم لهم سوى التخلص من الحكام المستبدين الذين يتسببون بسياساتهم القمعية تجاه شعوبهم في تفريخ الإرهابيين، ليهدد هؤلاء فيما بعد حياة المواطنين الأمريكيين ومصالح الولايات المتحدة حول العالم، لكن وبعد انتهاء الحرب الغاشمة في وقت قياسي، كشف تتار العصر الحديث عن وجههم الاستعماري البغيض.

بعد ما يزيد على الشهر بقليل، عين بوش الإبن الدبلوماسي السابق بول بريمر حاكماً للعراق، وعليه شكل بريمر مجلساً من العملاء عرف لاحقاً بمجلس الحكم الانتقالي من عملاء واشنطن الذين أطلقوا على أنفسهم المعارضة العراقية، وشكل شيعة المنافي سوادهم الأعظم، بالإضافة لمن ساعد الأمريكيين في غزو العراق خاصة الأكراد وبعض خونة السنة، وأنيط بالمجلس المزعوم مهمة رسم شكل جديد للحكم في عراق ما بعد صدام.

وضع الأمريكيون نظاماً طائفياً على شاكلة ذلك الموجود في لبنان، فأصبح رئيس الوزراء شيعياً وهو من بيده صلاحيات الحكم، ورئيس الجمهورية كردياً وهو منصب شرفي، بينما كانت رئاسة البرلمان من نصيب السنة ذراً للرماد في العيون، وكأن واشنطن تعامل جميع العراقيين على قدم المساواة، ولم تنس إدارة المحافظين الجدد مكافأة إيران صاحبة الفضل الأكبر في احتلال جمجمة العرب.

غض المسئولون الأمريكيون سياسيين كانوا أم مدنيين الطرف عن التفجيرات التي ينفذها فيلق القدس الممثل لقوات النخبة في الحرس الثوري الإيراني، وترك بوش وتشيني وعراب الغزو دونالد رامسفيلد الحبل على غاربه للفرس؛ ليدربوا فرق الموت الشيعية، وينكلوا بأهل السنة قتلاً وتهجيراً، وينهبوا مقدرات العراق بما يعود بالنفع على ملالي طهران طالما بقيت المصالح الأمريكية في نفط العراق مصانة، ووصل عدد ضحايا القتل الطائفي والتخريب الإيراني- الأمريكي لنحو ثلاثة ملايين شهيد عراقي.

فكك الأمريكيون وحدة العراق وجعلوا منه بلداً ممزقاً ضعيفاً لا يشكل تهديداً للغرب ولا للكيان الصهيوني، وذلك عبر تضمين دستور 2005 المزعوم الذي أقره دمى الاحتلال مواداً تمنح أقاليم البلاد وعلى رأسها كردستان العراق التحكم في مواردها الطبيعية داخل حدود الإقليم، علاوة على حق إدارة شئونها بمعزل عن الحكومة المركزية في بغداد، مما يعني انفراط عقد العراق كدولة موحدة منذ فجر التاريخ، وهو ما استفاد منه الأمريكيون في إقرار مشروع قانون تقسيم العراق في السادس والعشرين من سبتمبر 2007.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد كل ما أوردناه عن عواقب غزو 2003: هل حرر العم سام العراق أم دمره؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى