سياسة وتاريخ

هل باتت خوصصة المؤسسات في تونس أمرا ضروريا؟

هذيان الإتحاد العام التونسي للشغل بعد بلوغه العقد السابع من عمره

مسألة خوصصة المؤسسات هي سؤال يبدو مزعجا عند المقتصرين على الجانب الظاهري للأشياء أو العاشقين لعمومية المؤسسات وقوميتها، لكنه سؤال منطقي لمن يسعى إلى تفكيك الأسباب والنتائج ولمن تمعن طويلا في الآثار التي آل إليها التشبث بالنمط الكلاسيكي الجامد. إن الدولة بما أنها مؤسسة المؤسسات، هي التي ترعى ممتلكاتها وممتلكات الناس بالقانون وبالقوة. وبما أن الأنظمة العالمية رغم إختلافها بين إشتراكي ورأسمالي وما يتوسطهما فهي تصب في نفس الهدف وهو التطور والكسب والأرباح.

في تونس، نظام جديد لم يعرف له مثيل، قائم بالأساس على الترفيع في الأسعار الذي يليه ترفيع في رواتب الموظفين. فالإتحاد العام التونسي للشغل اليوم يضغط بكل ثقله على الحكومة. وهذه الحكومة بصفتها حافلة الوزراء، فهي حكومة هجينة عن الشعب الذي يقتات بعض أفراده من حاويات القمامة، والبعض الآخر بين منتحر ومهاجر غير شرعي وداعشي.

كان الإتحاد زمن فرحات حشاد جهة عملاقة تحارب الإستعمار، وقد ساهم بفضل بعض الوطنيبن وبفضل الطبقة الشغيلة المتفهمة لخطورة الإستعمار والملتزمة بالدفاع اللامشروط عن الوطن، في إستقلال البلاد والتخلص من شباك سميكة كبلته كل نفس يبحث عن الحرية وعن التمرد.

الإتحاد اليوم، ربما بسبب سوء التخطيط داخل المطبخ، وربما بسبب المشاكل والخلافات بين الطباخين، فإنه يعيش حالة من العزلة كتلك التي تعيشها الحكومة. إذ لا سلاح للإتحاد اليوم غير إعلان الإضرابات العامة لكي لا يفقد قيمته عند منظوريه بعد أن فقدها عند الناس. وقد إستغل قادة الإتحاد ضعف الأحزاب المعارضة وعدم قدرتها على التفكير وحتى على تجاوز عقدها القديمة مع السلطة، ليذهب بعيدا نحو التفاوض مع الحكومة في نفس المستوى، أو كما ينعته المهتمون بالشأن العام: بالند للند.

اليوم أصبح الإتحاد مثل الورم الذي يزداد خطورة بمرور الوقت، أصبحت بعض المطالب سياسية وأبرزها المطالبة برحيل الحكومة خلال إضراب السابع عشر من جانفي المنقضي، خير دليل على تجاوز الإتحاد لخطوطه الحمراء. وفي كل الحالات فإن الإتحاد قد تمرد بسبب المناخ المناسب وبدأ يزحف نحو القصبة قصد التهديد والوعيد والتحذير، وللمتمعن في عمق المجتمع فإنه يعلم جيدا من هم النقابيون وكيف يتعاملون مع أقاربهم العاطلين عن العمل.
في المقابل، فإن القطاع الخاص يبدو كالإبن المنبوذ من العائلة، رغم حاجته الملحة لليان دفاع لمنوريه الذين باتوا عاحزين حتى على الإنفاق على وسائل النقل التي تقلهم للعمل.

القطاع العام والقطاع الخاص توأمان غير متشابهان

مثلما يدافع الإتحاد عن الأجراء سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص فإن منظمة الأعراف هي الأخرى لا تسمح بالتسبب في ضرر للمؤجرين بفعل كثرة المطالب وثقلها. ثم إن القطاعين العام والخاص لا يتميزان بنفس القدر من المساواة في عيون زعماء إتحاد الشغل، ربما السبب راجع إلى رضاء الأجراء في القطاع الخاص بوضعياتهم الإقتصادية والإجتماعية وربما إحتراما مبالغا فيه لمنظمة الأعراف التي إن هدد الإتحاد بالإضراب العام فإنها تهدد بإغلاق المؤسسات والمصانع وطرد الأجراء بتعلة المشاكل الإقتصادية، والهجرة إلى بلدان أخرى تنتظر هذا النزوح بفارغ الصبر، وبأرضيات مهنية مرنة تستوعب ضعف الأجور وقلة المشاكل وغياب الحد الأدنى لحماية العامل خصوصا والطبقة الشغيلة عموما.

حين يتجه المواطن في تونس إلى إحدى الإدارات، يلاحظ مبدئيا بعض الأعراض التي تدل على إنحدار علاقة الإداريين بالمواطن، وهذه المؤشرات هي الدليل على ضعف القطاع العام، ونذكر منها:

– سوء المعاملة التي يتلقاها المواطن: فمثلا عوض إستعمال عبارات من قبيل “تفضل” أو “كيف يمكنني مساعدتك” أو “آسف” أو “سنرد عليك قريبا” فإن عبارات أخرى مثل “ماذا تريد؟” أو “هل تحسبني رجلا آليا؟” أو “إن لم تغادر سأتصل بالشرطة” هي التي تحل محلها.

-غياب الإنضباط: إن وجود الموظف بمكتبه يعد في تونس إنجاز عظيم يجب تدوينه في سجل الإنجازات العظيمة للإدارة. الثامنة صباحا هو الوقت القانوني لإنطلاق العمل، لكنه في الحقيقة وقت دخول الموظف إلى المقهى أو إلى الكافيتيريا لشرب قهوة مع زملاءه. مكاتب فارغة وضحك وحديث صادر من أحد المكاتب الذي تلتئم داخله أحاديث ومشاورات خاصة بين الموظفين حول مباراة البارحة بين الكلاسيكو الإيطالي، أو طلاق فلانة من فلان، أو الإضراب العام الذي تم تحديد موعده. ثم الخروج من العمل قبل الوقت المحدد إما تلقائيا أو بأي سبب من الأسباب.

– الرشوة: بإمكانك نيل مرادك قبل الجميع إذا كنت كريما، والكرم في الإدارة التونسية غير الكرم المتعارف عليه في المجتمعات. فيكفي أن ينتفع الموظف بشيء صدر عنك لتحصل على ما جئت من أجله، سواء نقود أو خدمة في المقابل أو متاع أو حتى فنجان قهوة وقاىورة ماء باردة إذا كان اافصل صيفا. أما إذا كان الموظف داخل في مجال القرابة فإن الخدمة تأتيك إلى منزلك وأنت تعيد مشاهدة مسلسل البارحة.

أما بالنسبة للقطاع الخاص فهو خير دليل على ما جاء في القرن التاسع العشر والعشرون من عبارات كالرأسمالية المتوحشة أو الإستغلال الفاحش للطبقة السغيلة أو الإنتهازية وما إلى ذلك. مصانع تشغل أشخاصا دون وسائل حماية، وأخرى لأوقات طويلة، وأخرى دون إحترام للحد الأدنى للأجور، وأخرى دون تغطية إجتماعية.

يعد أبرز سبب لعدم المطالبة بالحقوق في القطاع الخاص هو الخوف من طرد العمال، فالمستثمرون لا يتفهمون أبدا الغياب لأسباب صحية أو لقضاء حاجة مهددة بالزوال، ولا يغفرون التأخر لدقائق. وإنما يجبرون الأجير على العمل كالآلة دون تذمر. حتى في الإستقبال دائما ما تجد فتاة جميلة تقف عند دخولك، تبتسم في وجهك رغم مشاكالها الشخصية، ترحب بك وتسألك بكل لطف عن كيفية خدمتك، ولن تخرج إلا حين تنال ما جئت من أجله بكل إقتناع ورضاء.

لذلك وجب التعلم دائما من الخواص الذين يعتمدون على فكرة مفادها أن الحريف مقدس، وحتى إن إستحال توفير الخدمة له فمن الواجب مساعدته على توفيرها له من الخارج. ولما لا حلول الخواص محل الدولة في بعض المؤسسات.

الخوصصة من أداة لطيفة للإستعمار إلى مجاراة للواقع الإقتصادي

إن للخوصصة مفهوم، وهو أنها حالة إنتقال الملكية من المؤسسات الحكومية (ما يُسمى بالقطاع العام) إلى القطاع الخاص.

ثم إن تدخل الخواص في قطاعات مثل الصحة أو الصناعة ليس بتفويت في مكاسب الدولة أبدا، بل حماية للمكاسب وضمان لتوفير أفضل الخدمات. فالمستثمرون لا يفهمون أبدا تراجع المداخيل، بل لا يتقبلون غير نموها أو إستقرارها في أتعس الحالات على عكس القطاع العام الذي يعتبر عند البعض ملكا خاصا وجب التصرف فيه بكل حرية. ويبقى دور الدولة مقتصرا على فرض تعريفة معينة لطبقات مختلفة، أو غير ذلك من ما ورد بكراس الشروط بصفتها روح الإلتزام المبرم منذ البداية. وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن أول من يرفض الخوصصة هم الأجراء في القطاع العام، فلا يمكن أبدا أن يفوت شخص في حقوقه المكتسبة عملا بأحكام الدستور، وبما أن التراخي حق مكتسب، فالموظف لن يرضى أبدا بالعمل تحت الضغط وتحت الرقابة الصارمة.

من ناحية أخرى فالنزاعات القائمة في المحاكم بين الموظفين والإدارة ستصبح بينهم وبين الخواص، وبهذا ستتخلص الدولة من الكثير من الأعباء والملفات والخسائر، بل سيتحمل الخواص تشعب الملفات وطول إجراءات التقاضي والمساوء المترتبة عنها، وربما سيلجأ بعضهم إلى التحكيم. لكن أضحت الخوصصة كالطاقة النووية: خير أريد به شر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى